عرب وعالممقالات وكتاب

هيثم خيري يكتب: قراءة في فكر الرئيس الصيني شي جين بينغ

الطاقة الإيجابية تطل من كل سطر من سطور هذا الكتاب..

قد يبدو أنني سأحدثك عن كتاب جديد في التنمية البشرية، لكن ما ذنبي والرئيس الصيني، شي جين بينغ، في كتابه “حول الإدارة والحكم” يتحدث بكل هذا القدر من التفاؤل والثقة، والتسامح والتدبر والثقافة والوعي.

الكتاب المترجم للعربية محمل بجرعات مكثفة من قيم والتشارك، والبناء الاجتماعي والاقتصادي على أساس سليم، والحض على التعليم والابتكار في كل سطر تقريبا من سطور الكتاب.

فهو يرى أن “القضية الخالية من الارتكاز على الثقافة، يصعب أن تصمد طويلا”، ويعتقد أن “الشباب يأتي مرة واحدة في العمر.. فإما أن نستفيد منه أو نفنيه بخيبة”.

ويحرض “الكوادر القيادية على مختلف المستويات أن تهتم برغبات الشباب وتساعدهم في التنمية وتدعمهم في تأسيس المشروعات، وتصبح صديقا لهم، ويدا في أعمالهم”. كما يحرص في معظم خطاباته عن السكان الحديث عن تعداد الصين الهائل للصين باعتباره قوة جبارة، ويرى أن “الموارد الفكرية المختزنة في عقول الصينيين، الذين يفوق عددهم مليار وثلاثمائة مليون، هي أغلى شيء وأثمنه”.

في السطور التالية، أسعى معكم لتقديم قراءة للخطب والكلمات الموزعة بين عدة أعوام للرئيس الصيني، بعد انتخابه عام 2013، مذيلة بهوامش تشمل المراجع والكتب والمقالات الصحفية التي استند إليها الرئيس في خطاباته، وتبدو كمرآة حقيقية لكيفية تفكير الرئيس وحزب الأغلبية الصيني ولجانه المركزية في المستقبل، والأهم نقل تجربة حية عن الصين التي نلمس نهضتها وصعودها يوما بعد يوم.

شعب يفكر بنفسه

يؤمن الرئيس الصيني بأن الحلول تأتي من داخل الدول، لا من خارجها، ويركز على هذه القيمة كثيرا، ففي إحدى خطاباته يقول: من أجل التمسك بالاستقلالية، لابد أن نتمسك بأن الشعب الصيني هو الذي يفكر ويعالج قضاياه بنفسه، لا يوجد في الدنيا نموذج للتنمية يلائم كافة دول العالم، ولا يوجد طريق للتنمية لا يتغير.

وفي خطاب آخر معنى مشابه: لا توجد أمة حققت القوة والنهوض بالاعتماد على قوى خارجية أو متبعة أخرى خطوة بخطوة. إذا عملت كذلك، لا تنتهي بالفشل فحسب، بل تصبح تابعة للآخرين.

ولذا فالصين تحترم حقوق مختلف الدول لاختيار طريقها. يجزم الرجل بأنه “لن نفرض إرادتنا على الآخرين، ولن نسمح للآخرين أن يفرضوا إرادتهم على الشعب الصيني. ندعو إلى حل النزاعات الدولية بأسلوب سلمي، ونعارض الهيمنة وسياسة القوة بأشكالها المختلفة، ولن نسعى وراء الهيمنة ولا وراء التوسع. لابد أن نحمي سيادة الدولة وأمنها ومصالحها التنموية، وعلى أي دولة ألا تفكر عبثا بأن نتاجر معها بمصالحنا المحورية، وتحاول عبثا دفعنا لأن نبلع الثمار المرة التي تضر سيادة وأمن دولتنا ومصالحها التنموية”.

الأمل في الشباب

يوضح الزعيم الصيني من بدايات كتابه إلى نهايته وجهة نظر بلده بشأن الشباب، فيقول إنه يجب على الحكومات على مختلف مستوياتها أن تثق بالشباب ثقة تامة، وتعتني بالشباب بحرارة وتضبطهم بالانضباط الصارم، وتفتح سماء أوسع لإطلاق الشباب أفكارهم، وتقيم مسرحا أكبر ليمارس الشباب الابتكار، وتقدم فرصا أكثر لتنشيط حياتهم، وتهيئ ظروفا أكثر ملاءمة لتسجيل الشباب المآثر وإنجاز الأعمال.

ثم يتحدث عن الكفاءات باعتبارهم هم أول عنصر للقضية العظيمة الطويلة الأمد.. “نحن نريد تحقيق النهضة العظيمة للأمة، وكلما كثر عدد الأكفاء فرحنا، وكلما علت كفاءاتهم سررنا”.

وفي موضع آخر من الكتاب يقول ما يؤكد هذا المعنى: المعرفة هي القوة، والكفاءات البشرية هي المستقبل، فإذا أردنا أن نسير في مقدمة الركب العالمي في العلوم والتكنولوجيا، من الضروري أن نظهر الأكفاء، ونربيهم خلال النشاطات الابتكارية، ونجمعهم في قضية الابتكار العلمي والتكنولوجي، وعلينا أن نعد صفوفا من أكفاء الابتكار العلمي بعدد ضخم وتشكيلة معقولة وصفات ممتازة.

وفي خطاب آخر أورده الكتاب يؤكد أن “القضية العظيمة لن يؤديها إلا شخص يتمتع بنفس العظمة”، فالإنسان هو العنصر الأهم أثناء العمل الابتكاري. قضية الابتكار تنادي الكفاءات. واحترام الكفاءات العالية من تقاليد الأمة الصينية.

ثم يوجه حديثه للأكاديميين فيقول: ليس على كل أكاديمي صيني أن يكون رائدا للإبداع العلمي والتكنولوجي فقط، بل عليه أيضا أن يكون معلما وقائدا لتلاميذه، نأمل أن يحمل على عاتقه مسؤولية إعداد الأكفاء الشباب، ويلعب دور سلم يرتقون به، فيعلم تلاميذه بحديثه وسلوكه، وينتقي الجيدين بنظره الثاقف، يكتشفهم ويعدهم ويرشحهم، مما يمهد طريقا أو يبني جسرا لبروز الشباب الأكفاء الممتازين في كافة المجالات.

اقتصاد الموارد النادرة

في إطار خطاباته الاقتصادية، يرى الرئيس الصيني أن التنمية الاقتصادية تتطلب زيادة فعالية توزيع الموارد وخاصة الموارد النادرة، حتى يتسنى استثمار الحد الأدنى من الموارد لإنتاج أكبر كمية ممكنة من المنتجات، وكسب أكبر قدر ممكن من المنافع.

ثم يتطرق إلى تحديث الزراعة فيقول: يجب علينا إكمال نظام وآلية وتشكيل علاقة حديثة بين الصناعة والزراعة، وبين الحضر والريف، تتمثل في تنمية الزراعة بدعم الصناعة، وتطوير الريف وتقاسم المنافع بين العمال والفلاحين، حتى تتمكن جماهير الفلاحين الغفيرة من الانخراط المتساوي في عملية التحديث وتقاسم ثماره.

ومن هذا المنطلق، تسعى الصين لإقامة منظومة حديثة لإدارة الزراعة، يسرد الرئيس الصيني أبعاد هذه المنظومة قائلا إنها ترتكز على التمسك بالمكانة الأساسية للإدارة العائلية في الزراعة، والتشجيع على تنمية الاقتصاد التعاوني في الريف، وتشجيع توجيه رؤوس الأموال الصناعية والتجارية إلى تطوير قطاعات الزراعة والتربية الحديثة للمواشي، والملائمة لإدارة المؤسسات في المناطق الريفية، وإعطاء المزارعين المزيد من حقوق الممتلكات، وضمان حصول المزارعين على قيمة مضافة عادلة من المحاصيل، وإكمال وتحسين نظام التأمين الزراعي، وتشجيع رأس المال على تمويل أعمال البناء في المناطق الريفية، والتخطيط المتساوي لتوزيع موارد التعليم الإلزامي في المناطق الحضرية الريفية، وإعادة هيكلة نظام التأمين الأساسي ضد الشيخوخة ونظام التأمين الطبي الأساسي لسكان الحضر والريف بالتساوي، ودفع التنمية الموحدة لنظام ضمان الحد الأدنى لمستوى المعيشة في المناطق الريفية والحضرية، والعمل بخطى ثابتة على دفع تغطية الخدمات العامة الأساسية الحضرية للسكان الدائمين بصورة شاملة.

شي أمام شعبه

يصعب تعداد المواقف التي تحدث فيها عن الشعب، لكن يمكن أن تكون الفقرة التالية معبرة عن بعض ما قاله عن هذه العلاقة، فهو مؤمن بـ “الاعتماد الوثيق على الشعب لدفع الإصلاح. الشعب خالق التاريخ، ومنبع قوتنا. لقد حظي الإصلاح والانفتاح بالتأييد والمشاركة النشطة من قبل الجماهير الغفيرة، والسبب الأساسي لذلك يعود إلى أننا جعلنا قضية الإصلاح والانفتاح تتأصل بعمق في جماهير الشعب منذ البداية، لأننا من البداية أكدنا ضرورة التمسك بوضع الإنسان في المقام الأول، واحترام مكانة سيادة الشعب، وإظهار روح الابتكار للجماهير”.

ويرى أنه عند تحريك أي عملية إصلاح، يجب الوقوف على موقف الشعب للتمسك والمعالجة السليمة للقضايا الهامة ذات العلاقة بالإصلاح، والانطلاق من مصالح الشعب لتخطيط الإصلاح وصنع الإجراءات.

في عملية تعميق الإصلاح على نحو شامل، كنا نواجه مصالح ذات علاقات معقدة وصعبة الموازنة بينها، ينبغي التفكير الجاد فيما هي الحالة الواقعية للجماهير، وما تأمله الجماهير، وكيفية ضمان مصالحها، هل ترتضى بإصلاحنا، والاستماع لآراء واقتراحات الجماهير على نطاق واسع، وتلخيص التجارب الطازجة التي تبدعها الجماهير في حينه.

تحديات المستقبل

يلخص الرئيس تحديات المستقبل في إحدى خطاباته قائلا: نواجه تحديات في الوقت الحاضر والمستقبل القريب، تتركز التحديات في تواصل انخفاض نمو الاقتصاد العالمي، وارتفاع التفاوت بين العجز العام لطلب السوق والإفراط في قدرة الإنتاج، وضغط ازدياد كلفة الإنتاج والتسويق للمؤسسات بالتوازي مع ضعف القدرة على الإبداع، إلى جانب احتدام التناقض بين النمو الاقتصادية وحماية الموارد والبيئة.

لكنه يدعو لتكريس جهود الصين لتنشيط القوة الحيوية المتأصلة للاقتصاد وحفز القوة الدافعة له، وعلى نمونا أن يكون حقيقيا دون فقاعات مغالاة، ونموذجا ذا فعالية وجودة واستدامة، وعلينا أن نقوي ونثبت المكانة الأساسية للزراعة في اقتصادنا، فنعطي الزراعة دعما أكبر ونكمل سياستنا الزراعية المتمثلة في دعم الزراعة والعمل على إفادة المزارعين وإغنائهم، كما علينا أن نعجل خطى تطوير الزراعة الحديثة، لضمان العرض الفعال للحبوب الغذائية والمنتوجات الزراعية المهمة، من الدولة لشعبها.

ثقافة زاهية عميقة

في كلمته بعنوان “تعزيز القوة الناعمة الثقافية للبلاد”، التي ألقاها في المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، يدعو الرئيس الصيني لتعزيز القوة الناعمة للبلاد بإظهار الجاذبية الفريدة للثقافة الصينية. على مدى تاريخ تطور الحضارة الصينية الممتد لأكثر من خمسة آلاف سنة، ابتكرت الأمة الصينية ثقافة زاهية عميقة، من الضروري تحقيق التناسق والانسجام بين الجينات الثقافية الأساسية والثقافة المعاصرة والمجتمع الحديث، ونشرها بطرق مشوقة ومبسطة وسهلة للمشاركة الواسعة، وإعلاء الروح الثقافية التي لا تعرف حدودا زمنية أو مكانية.

يدعو الرئيس إيضا لإيلاء اهتمام لتشكيل الصورة الوطنية لبلادنا، والتركيز على إظهار صورة الصين كدولة كبرى متحضرة ذات تاريخ عريق تتعايش فيها باسنجام قوميات متعددة وثقافات متنوعة، دولة كبرى شرقية نزيهة سياسيا ومتطورة اقتصاديا ومزدهرة ثقافيا ومستقرة اجتماعيا، ومتضامنة داخليا وجميلة طبيعيا، دولة كبرى مسئولة تتمسك بالتنمية السلمية وتدعو للتنمية المشتركة وتدافع عن العدل والمساواة بين الدول وتقدم إسهاماتها البشرية.

في المدارس القومية

في كلمة ألقاها الرئيس بمناسبة افتتاح إحدى المدارس الابتدائية القومية بمنطقة هايديان، يقول بعد ديباجة طويلة عن تاريخ الأمة الصينية: إذا أردنا اليوم أن تستمر الأمة الصينية في التقدم، فلابد من توريث وإبراز روحنا القومية وثقافتنا الممتازة وخاصة ما بها من قيم تقليدية سامية، ما ندعو إليه من القيم الاشتراكية الجوهرية، المتمثلة في الرخاء والديمقراطية والتحضر والتناغم والحرية والمساواة والعدالة وحكم القانون والوطنية والتفاني والإخلاص والصداقة، هو تجسيد لأفكار الفلاسفة القدماء ورغبات أصحاب المثل السامية وآمال شهداء الثورات إضافة إلى تطلعات أبناء الشعب إلى حياة سعيدة.

يمثل الأطفال مستقبل الوطن وأمل الأمة الصينية، كما قال ليانغ تشي تشاو في مقاله عن “الصين الناشئة”: “إذا كان الطفل ذكيا فستكون الدولة عاقلة، وإذا ان الطفل نشيطا فستزدهر الدولة، وإذا كان قويا فسيتقوى الوطن، وإذا تقدم الطفل فسيتقدم الوطن. إن إزاحة الجديد للقديم قانون تاريخي عام لا يقاوم، ودائما ما يخلق المستقبل على يد طفل اليوم. إن قلب الطفل حساس ومستعد دائما لقبول أي شيء جميل. ومن أجل أمتنا الصينية، يومها وغدها، يجب علينا تربية الأطفال والناشئين وإرشادهم في تبني أهداف سامية وتكوين شخصية جميلة، بما يجعلهم ينشأون على نحو أفضل.

بناء الحضارة الإيكولوجية

تحت هذا العنوان العريض، يتحدث رأس الدولة باستفاضة عما أسماه “بيئة أفضل لصين جميلة”، فيقول: من أجل المضي قدما ببناء الحضارة الإيكولوجية، يجب علينا التنفيذ الكامل لروح المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب، وترسيخ مفهوم الحضارة الإيكولوجية القائم على أساس احترام الطبيعة والتناغم معها وحمايتها، وينبغي التمسك بسياسة الدولة الأساسية للحفاظ على الموارد وحماية البيئة ومبدأ منح الأسبقية لترشيد استخدام الموارد وحماية البيئة ودفع تعافيها الطبيعية، داعيا إلى تعديل الهيكل الصناعي وطريقة الإنتاج وأسلوب الحياة بغرض الحفاظ على الموارد وحماية البيئة، والمحافظة على التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.

سماء زرقاء

نأتي إلى جانب مشرق آخر من أحاديث شي جين إلى الشعب، في مناسبة تهنئته للمؤتمر السنوي للمنتدى العالمي للحضارة الأيكولوجية.. تحت عنوان “ترك سماء زرقاء وأرض خضراء ومياه صافية لأجيالنا القادمة”، يقول إن المضي قدما نحو عصر جديد من الحضارة وبناء صين جميلة من أهم مضامين حلم الصين للنهضة العظيمة للأمة الصينية. ستطبق الصين سياستها الرامية للحفاظ على الموارد الطبيعية وحماية البيئة على أساس مبدأ احترام الطبية والتناغم معها وحمايتها، وسنكثف الجهود في دعم التنمية الحضراء وتنمية تدوير الموارد والتنمية المنخفضة الكربون، ودمج بناء الحضارة الأيكولوجية في كافة النواحي خلال جميع عمليات البناء الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي.

وفي جانب آخر من خطاباته، يتحدث عن “عصرنة الجيش الصيني”، على أساس مبدأ الإنشاء الشامل، لتحقيق تقدم شامل في المجالات العسكرية والسياسية واللوجستية ومجال العتاد وغيره، مما يرفع بشكل مستمر المستوى الكلي للجيش. سنحقق بلا شك هدفنا العظيم المتمثل في تحديث الدفاع الوطني وعصرنة الجيش تحت قيادة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني واللجنة العسكرية المركزية، وبفضل دعم أبناء الشعب في أنحاء البلاد والجهود المتضافرة من ضباط وجنود الجيش كله.

الابتكار العلمي

يميل الرئيس الصيني للحديث كثيرا عن المستقبل، وفي مواضع كثيرة يشير إلى ضرورة استجلائه وتوقعه، فيقول مثلا إن “ثورة الروبوت” قد تكون نقطة اندلاع مهمة لثورة صناعية ثالثة، وستؤثر على نمط الصناعة في العالم بأسره، والصين ستكون أكبر سوق للروبوت في العالم. ستشكل ثورة الروبوت سوقا تبلغ قيمتها بضعة تريليونات من الدولارات الأمريكية.

مادامت الصين ستكون أكبر سوق للروبوت، فهل تتناسب كفاءتنا التكنولوجية وقدرتنا على الصناعة، وهذا التنافس الشديد؟ لذلك، ليس علينا أن نرفع مستوى صناعة الروبوت فحسب، بل علينا أن نسيطر على السوق.

الكاتب: هيثم خيري – كاتب وصحفي وباحث في الشئون الاجتماعية

زر الذهاب إلى الأعلى