مقالات وكتاب

هشام حبيب يكتب: 29 عاما على الصداقة المصرية الكازاخية .. تاريخ مشترك ومستقبل واحد

على بعد أكثر من 4000 كم من مصر تقع دولة أورواسيوية فريدة من نوعها. كازاخستان، التى تعنى “أرض الأحرار”، تقع فى قلب أوراسيا لتمثل جسر التواصل الحضارى بين آسيا وأوروبا. وعلى الرغم من مساحتها الشاسعة التى تقارب 2,7 مليون كم2 لتصبح تاسع أكبر دولة فى العالم، لا يتجاوز تعداد سكانها 19 مليون نسمة وفقا لاحصاءات العام الحالى.

أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وكازاخستان منذ 29 عاما عندما قامت مصر بافتتاح سفارتها بكازاخستان فى أغسطس 1992 وتبعتها كازاخستان بافتتاح سفارتها فى القاهرة فى أبريل 1993 لتصبح أول سفارة لكازاخستان فى العالم العربي بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991.

استئناف العلاقات التاريخية

لقد كان افتتاح السفارة الكازاخية فى القاهرة حدثا تاريخيا فريدا حيث كان بمثابة استئناف للعلاقات التاريخية بين كازاخستان والعالمين العربي والإسلامي التى بدأت عام 751 م بعد معركة نهر طلاس التى انتصر فيها المسلمون على الصينيين وأصبحت بعدها آسيا الوسطى، وفى القلب منها كازاخستان، مركز إشعاع حضارى إسلامي أنجب لنا أعظم العلماء والمفكرين المسلمين أمثال الفارابي والبخارى والترمذى وأبطال عظام أمثال السلطان الظاهر بيبرس.

جسر تواصل حضارى

وعلى الرغم من البعد الجغرافى الكبير بين مصر وكازاخستان إلا أن هناك الكثير من القواسم المشتركة التى يمكن البناء عليها لتحقيق التقارب بين هذين الشعبين العظيمين. فكما ذكرنا آنفا تقع كازاخستان بين آسيا وأوروبا، مثلها مثل مصر التى تقع بين آسيا وأفريقيا، وتمثل كلا البلدين جسر تواصل حضارى وثقافى بين قارتين كبيرتين. كما أن موقعهما الاستراتيجي يسمح لهما بلعب دور كبير ومؤثر لضمان الأمن والاستقرار. فكما أن مصر هى حجر الزاوية فى منطقة الشرق الأوسط، تعد كازاخستان الدولة الأكبر والأهم فى أوراسيا ويؤثر استقرارها على استقرار وسط آسيا بالكامل.

الثروات الطبيعية الوفيرة 

كذلك تمتلك كلا البلدين ثروات طبيعية ضخمة يتم استغلالها الآن لتحسين الوضع الاقتصادى ورفع مستوى معيشة المواطنين. ولكن على الجانب الآخر كانت هذه الثروات سببا فى جعل كلا البلدين ضحية للدول الاستعمارية. فكما كانت مصر فريسة للكثير من المستعمرين على مدار تاريخها القديم والحديث، كانت كازاخستان هى الأخرى مطمع للامبراطورية الروسية ومن بعدها الاتحاد السوفيتي الذى استنزف خيراتها واستغل أراضيها لإجراء التجارب النووية التى تعاني كازاخستان من آثارها المدمرة حتى الآن. لذا كان استقلال كازاخستان عن الاتحاد السوفيتي عام 1991 بمثابة ميلاد لكازاخستان الحديثة المستقلة القوية واستعادة لأمجاد الماضى.

حضارة عظيمة

التاريخ هو الأساس دائما. لا يمكن لدولة أن تعيش حاضرها أو تفكر فى مستقبلها دون أن تسترجع تاريخها وأن تدرسه بعناية بكل ما يحمله من انتصارات وانتكاسات. أحد القواسم المشتركة بين مصر وكازاخستان أن كلا البلدين صاحبة تاريخ عظيم. مصر هى مهد الحضارات وأول دولة فى التاريخ ويمتد تاريخها لآلاف السنين. ولكازاخستان أيضا تاريخ عظيم وحضارة عريقة نشأت على مفترق طرق لأقدم حضارات العالم. وقد كانت دولة القبيلة الذهبية من أقوى الدول التى حكمت آسيا الوسطى وكانت كازاخستان جزءا أصيلا منها. ثم أعقب ذلك عصر الخانات الكازاخية الذى تشكل فيه بوضوح العرق الكازاخي المتفرد بين كل شعوب آسيا الوسطى.

وهنا أقترح ضرورة إقامة المركز الثقافي الكازاخي فى مصر. لا يمكن أن تحتضن القاهرة المركز الثقافي الروسي والبريطاني والألماني والهندي وأن تغفل المركز الثقافي الكازاخي. هناك ضرورة لإقامة مركز ثقافي لكازاخستان فى مصر يكون بمثابة البوابة للمصريين للتعرف أكثر على حضارة كازاخستان العظمية.

دولة المماليك.. تراث حضارى مشترك

أكثر ما يربط مصر بكازاخستان تاريخيا هو عصر دولة المماليك الذى امتد منذ عام 1250 وحتى عام 1517. فكما تعلمون، يرجع أصل المماليك إلى كازاخستان. خرجوا منها ثم انتقلوا إلى العراق وسوريا ومنها إلى مصر. كانت دولة المماليك من أعظم الدول الإسلامية التى حكمت مصر والشام وعلى رأسها السلطان الظاهر بيبرس، ابن السهوب الكازاخية، الذى شارك فى الانتصار على المغول بمعركة عين جالوت ونجح فى القضاء على الوجود الصليبي فى الشام. لذا يعد السلطان بيبرس رمزا تاريخيا مشتركا لمصر وكازاخستان. ويتم فى الوقت الحالى ترميم مسجد الظاهر بيبرس بالقاهرة ليكون قبلة للسياح الكازاخ الذى يزورون مصر بأعداد ضخمة كل عام. إن تاريخ الدولة المملوكية هو مصدر فخر ليس لمصر وحدها ولكن للعالم الإسلامي أجمع.

وهنا أقترح أن تقوم وزارة السياحة والآثار المصرية بوضع خريطة للمعالم الأثرية المملوكية فى مصر وأن تقوم بالترويج لها فى كازاخستان. حيث يهتم السائح الكازاخي الوافد إلى مصر بالتعرف على تاريخ دولة المماليك وآثارها أكثر من أى شئ آخر. فهو يأتى إلى مصر للبحث عن جذور أجداده من المماليك الذين حكموا مصر والشام لفترة طويلة من الزمان.

مذهب ديني واحد

من أبرز السمات المميزة للشعبين المصري والكازاخي هو اشتراكهما فى المذهب الديني. تبلغ نسبة المسلمين فى مصر حوالى 90% من تعداد السكان وفى كازاخستان يمثل المسلمون 70%. ويعد المذهب الحنفى هو الأكثر شيوعا بين المسلمين فى كلا البلدين. كما تجمع البلدين علاقات دينية متميزة. ينظر الكازاخ إلى الأزهر الشريف باعتباره منارة علمية ودينية عريقة. ويدرس الكثير من الطلاب الكازاخ مبادئ العلوم الشرعية فى مصر تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف. أما وزارة الأوقاف المصرية فقد أسست عام 2001 الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية بمدينة ألماطى العاصمة القديمة لكازاخستان لتمثل هى الأخرى مركز تعليم ديني متميز فى آسيا الوسطى لمحاربة الإرهاب والأفكار المتطرفة.

وفى هذا الإطار، أرى ضرورة زيادة عدد المنح الدراسية الممنوحة للطلاب الكازاخ بالأزهر الشريف لما لذلك من أهمية قصوى فى تعزيز الكوادر الدينية المؤهلة لمحاربة الفكر المتطرف الذى يهدد استقرار العالم. وكذلك زيادة البعثات الدراسية للطلاب المصريين إلى كازاخستان للاستفادة من الخبرات الضخمة التى تتميز بها كازاخستان فى مجالات الفيزياء النووية وعلوم الفضاء.

ختاما، سوف تحتفل البلدان العام القادم بمرور 30 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. وأرى أن هناك قواسم مشتركة لا حصر لها بين الشعبين المصرى والكازاخي. فالدولتان ذات تاريخ عريق وحضارة عظيمة، وتلعبان نفس الدور كجسر ثقافي بين الحضارات وتشتركان فى تاريخ دولة المماليك وتراث الظاهر بيبرس. وإلى جانب ذلك كله هناك إرادة سياسية حقيقية من قيادتي البلدين لمواصلة تعميق التعاون بين البلدين فى مختلف المجالات حتى يصل إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية وكذلك تعزيز التقارب بين الشعبين ليصل إلى المستوى الذى يتناسب مع حجم التراث الحضارى العظيم الذى يجمع الأمة المصرية بالأمة الكازاخية.

زر الذهاب إلى الأعلى