مقالات وكتاب

هشام الهبيشان يكتب: الاتفاق النووي الإيراني.. ماذا عن المعيقات وهل اقتربت لحظة التوقيع؟

يبدو واضحاً لجميع المتابعين، إن شهر شباط الحالي، قد شهد حراكًا سياسيًا تبنته الإدارة الأمريكية، وبعدّة اتجاهات، إقليميًا ودوليًا، والهدف هو السعي لأنضاج مناخ أقليمي ودولي، يهيّأ ألارضية المناسبة لاتمام صفقة توقيع اتفاق إيران النووي مع دول 5+1، فمن نيويورك إلى الرياض إلى بروكسل إلى طهران وفيينا، هذه العواصم والمدن قد شهدت لقاءات ومؤتمرات ورسائل سرية وعلنية، وإشاعات كُثر وتفائل وغموض كبير، وجميع هذه التحركات تدور بفلك الوصول إلى حل سريع للملف النووي الإيراني، وآخر هذه التحركات والمؤتمرات واللقاءات، هي التي تعقد اليوم بمؤتمر فيينا، والأجواء العامة لهذه الاجتماعات ، توحي بشيء من الغموض حول ما يجري خلف الأبواب المغلقة.

ففي حين إنّ طهران تتحدث عن إنّ 90%من الملفات التقنية قد تم الاتفاق على تفاصيلها ،تخرج واشنطن لتؤكد الرواية الإيرانية، تطابق التصريحات الإيرانية – الأمريكية، يعطي دلالات واضحة على إنّ هناك مؤشرات توحي بمشروع توقيع اتفاق مبكر ترعاه ادارة بايدن، بخصوص الملف النووي الإيراني، لاستباق أي تطورات بخصوص الملف الأوكراني وتعويض أي نقص بإمداد الطاقة النفطية الروسية عبر البوابة الإيرانية، ولكن وعلى الرغم من كل هذه المؤشرات الايجابية والتفاؤل المفرط، بقرب التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني، لا بد هنا من تسليط الضوء على جملة معيقات قد تعطل قرب الوصول لهذا الاتفاق .

فاليوم هناك حراك داخلي واضح بواشنطن، يقوده جمهوريو الكونغرس بالشراكة مع اللوبي الصهيوني، يهدف لتعطيل أي مسار لإدراة بايدن، يذهب باتجاه توقيع اتفاق مبكر مع الإيرانيين بخصوص ملفهم النووي،حراك واشنطن الداخلي المعارض لتوقيع مبكر لاتفاق نووي مع الإيرانيين، تزامن مع رسائل إعلامية بعث بها جمهوريو الكونغرس إلى الإيرانيين، تُحذّرهم بمضمونها من إنّ أي اتفاق نووي مع امريكا، ستننتهي  شرعيته بأنتهاء شرعية الرئيس الامريكي بايدن ، بالإضافة إلى هذا الطرح، فقد شهدت مجموعة من وسائل الإعلام الأمريكية مؤخراً، حملة شرسة تعارض توقيع أمريكي مبكر لاتفاق مع الإيرانيين بخصوص ملفهم النووي ،وهذا مايؤكد وجود حملة ممنهجة بالداخل الامريكي تسعى وبقوة لثني الإدارة الأمريكية عن مسعاها، بتوقيع اتفاق إيران النووي مبكراً .

حراك واشنطن الداخلي المعارض لتوقيع مبكر مع الإيرانيين، بخصوص ملفهم النووي، هو صدى لمعارضة غرب أوروبية وخصوصًا فرنسية معارضة وبشدّة ومن خلف الكواليس للتوقيع المبكر مع الإيرانيين، بخصوص ملفهم النووي، هذه المعارضة الداخلية بواشنطن والتي هي صدى للمعارضة الغرب اوروبية، يرافقها كذلك تصعيد غير مسبوق من حلفاء واشنطن بالإقليم، للتنديد بموقف الإدارة الأمريكية الساعية لقلب الطاولة على جميع حلفائها بالإقليم من خلال توقيع مبكر للاتفاق النووي مع الإيرانيين ،هكذا يتحدث حلفاء واشنطن ..على الأقل في الكيان الصهيوني «إسرائيل»، وبالرياض، فرغم رسائل الطمآنة التي بعث بها مبعوثي بايدن لدول مجلس التعاون الخليجي مؤخرًا، يبدو واضحًا إن الخليجيين وخصوصًا السعوديين منهم، لم يقتنعوا بصدق النوايا الأمريكية.. هكذا يتحدثون وبالعلن ويضيفون بأنهم وباليوم التالي لتوقيع اتفاق إيران النووي مع الغرب، سيكونون مجبرين على فتح الباب على مصراعيه امام سباق تسلح نووي بالإقليم والمنطقة ككل .

وبالانتقال إلى إيران وهي الشريك المعني بالاتفاق النووي، فاليوم هناك بالداخل الإيراني قوى محافظة، تعارض بشكلٍ كلّي مسار هذه التفاهمات مع الغرب، لأنها ترى بأن البرنامج النووي الإيراني هو شأن داخلي إيراني ويعمل ضمن منظومة سلمية، فهم يتسائلون ولهم احقية التساؤل.. فما علاقة الغرب ببرنامج إيران النووي السلمي؟ ولماذا يساوم الإيرانيون الآخرين على حقوقهم المشروعة ؟ ولماذا لا يتعامل الغرب مع الكيان الصهيوني الذي يملك ترسانة عسكرية نووية تتمثل بـ290 رأسًا نوويًا.. على الأقل كما يتعامل مع الإيرانيين ؟؟ تساؤلات القوى المحافظة بالداخل الإيراني الواردة أعلاه، شكّلت بالفترة الأخيرة عامل ضغط على فريق التفاوض الإيراني ،فاليوم هناك الكثير من الأصوات المؤثرة بدأت ترتفع بالداخل الإيراني، تعارض بشكلٍ قاطع تقديم أي تنازلات تقنية أو سياسية من الدولة  الإيرانية للغرب، مقابل التوافق على حل سريع لملف إيران النووي مع الغرب.

هذه المؤشرات بمجملها والواردة من اكثر من اتجاه.. من الطبيعي أن تشكل عامل ضغط على صنّاع ومتخذي القرار، المعنيين بشكلٍ رئيسي بالتوصل إلى اتفاق حول ملف إيراني النووي ، فالإدارة الأمريكية اليوم، تتعرض لجملة ضغوط داخلية وخارجية، تستهدف ثنيها عن توقيع مبكر لاتفاق مع الإيرانيين بخصوص ملفهم النووي.

كما إن المفاوض الإيراني مع الغرب بدأ يدرك بشكلٍ واضح إن المناخ الإقليمي والدولي والداخلي الإيراني بالتحديد، لايساعد على تهيئة الارضية المناسبة لأتمام مسار ينتهي بتوقيعٍ مبكر لاتفاق إيران النووي مع الغرب، فاليوم الإدراة الأمريكية لاترغب بخسارة حلفائها بالمنطقة وبالخليج، وخصوصاً السعوديين الذين تجمعهم بواشنطن علاقة شراكة أستراتيجية تزيد على سبعة عقود من الزمن،بنى جسورها الملك السعودي الراحل عبد العزيز أل سعود، والرئيس الامريكي روزفلت ،كما إن الإدراة الأمريكية لاتريد أن تدخل بمناكفات طويلة مع جمهوريي الكونغرس الداعمين لموقف الكيان الصهيوني ،والمعارض وبقوة لتوقيع اتفاق غربي بالمطلق مع إيران بخصوص ملفها النووي .

ختامًا، يبدو إن جميع المؤشرات تذهب باتجاه تأجيل توقيع قوى 5+1 للاتفاق النووي مع الإيرانيين لشهور ثلاثة مقبلة على الأقل، فالمؤشرات بمجملها والواردة من جميع الاطراف المعنية والمتأثرة كما تدعي من آثار هذا الاتفاق، تؤشر بشكل متزايد على أحتمالات وتكهنات بدأت تطفو من جديد إلى السطح، تؤكد لحد ما عدم وجود أرضية ومناخ دولي وأقليمي بهذه المرحلة تحديداً، يهيّأ المناخ الدولي والإقليمي المضطرب بشكلٍ عام لقبول تداعيات وأبعاد هذا الاتفاق بهذه المرحلة تحديداً،ومع ذلك سننتظر القادم من الأيام ليعطينا مزيداً من الإجابات التي ستؤكد أو تنفي كل هذه المعطيات المذكورة أعلاه ،تزامناً مع وجود خشية غربية وأقليمية من حماقة قد يرتكبها ساسة وجنرالات الكيان الصهيوني وبتحريض ودعم من بعض القوى بالإقليم، بالذهاب نحو عمل عسكري ضد المصالح النووية بإيران، قد تقلب الطاولة على الجميع، وتدخل المنطقة والإقليم بدوامة صراع لاحدود زمانية ولامكانية له.

*كاتب وناشط سياسي – الأردن

زر الذهاب إلى الأعلى