مقالات وكتاب

مهدى مصطفى يكتب: فرصة نادرة للإقليم العربى

صخب وعنف يتطايران حول المحيطين الهادى والهندي، وخروج أمريكى من الشرق الأوسط، فماذا يفعل الإقليم العربي، هل يمشى على جسر الحياد، أم يشاهد تشكيل كرة اللهب البعيدة دون اعتناء؟

الحياد قد لا يفيد كثيرا، وقد تم تجريبه فى السابق، والمشاهدة وحدها لا تكفى للسلامة، معضلة حقيقية، فكيف يمكن أن يتحقق النصر، دون إلقاء اللوم من هذا الطرف أو ذاك؟

معروف أن النظام الدولى الحالي، فى طريقه إلى متحف التاريخ، وكان قد بنى قواعده على ممتلكات الإقليم العربي، سواء بالاحتلال المباشر أم بالسيطرة السياسية، أم باحتكار موارده الطبيعية، أم بمنعه من استلهام المعرفة، ثم اغتياله صناعيا وفكريا، إذا ما تمنى مجرد أمنية، وما الثورات الملونة إلا أداة من الأدوات المختلفة التى ضرب بها النظام القديم المنطقة العربية.

كانت الثورات آخر ما فى جعبة النظام الدولى المعروف، خسر فيها اللعبة الأخيرة، فلم تتغير الخرائط أو تتمزق كما كان راغبا، ولم تتحول المنطقة إلى صندوق باندورا، بل العكس جرى عادت الشعوب إلى إدراك أن ما جرى كان واحدة من أخطر الحلقات فى السيطرة النهائية، وأخذت زمامها بأيديها، وفى طريقها إلى الشعور التام بضرورة بناء استقلال يختلف عن ذلك الذى جرى خلال سنوات الخمسينيات من القرن الماضي.

إذا كان الحياد لا يصلح، وإذا كانت المشاهدة لا تعبر الجسر، فماذا يجب أن نفعل؟

الفرصة نادرة الآن، أن نفتش عن صورة حقيقية تعبر عن دول الإقليم، صورة مستوحاة من الحضارات العتيقة، ونحن نملكها، ومستوحاة من قوة الثقافة ونحن أصحابها، وأخيرا مستوحاة من الجغرافيا الواحدة، والتاريخ متعدد الطوابق.

الفرصة نادرة الآن مع الانخراط فى عصر الذكاء الاصطناعي، وفتح الشرايين بالطرق بين المدن العربية، واستلهام أساطير المكان، وعدم انتظار أى فريق سيفوز فى معركة دولية، لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وقد جرب كثير من الحالمين وعود المنتصرين فى الحرب العالمية الأولى ولم يتحقق أى وعد، وكذلك جرى فيما بعد الحرب الثانية، وجرى أكثر خلال السبعين عاما الماضية.

الجسر العربى الجديد يجب ألا يقوم على أوتاد التنافس والصراع، لصالح هذه القوة أو تلك، أو لصالح الذات، على أن يتفهم القوة المجاورة للإقليم العربي، شرقا أو شمالا أو جنوبا، أن التاريخ مأساة، وإذا تكرر فهو ملهاة كما يقول كارل ماركس، ونحن لا نريده أن يتحول إلى مأساة أو ملهاة.

والملهاة تقع الآن حول وفى قلب المحيطين: الهادى والهندي، حرب باردة جديدة، تدور بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، قشرتها الظاهرة معركة اقتصادية طاحنة، ومن الذى يجب أن يتقدم النظام العالمي، ثم يقوده فى الحقب القادمة؟

أنطونيو جوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة، يحذر من الحرب الباردة الجديدة، يراها أعقد وأصعب من الحرب الباردة القديمة بين الأمريكان والسوفييت، يطالب بالتعاون العقلانى بين القوى المتصارعة، خشية من التدمير المتبادل بين القوة العظمى، مالكة أسلحة التدمير الشامل.

مراكز التفكير فى واشنطن وبكين لا تتوقف عن الفحص والدرس والتأمل، تقدم الخطط للسياسيين، وكيف يتم الانتصار، وكيف يتم تفادى الهزيمة، فالهزيمة لأى طرف تعنى الخروج من التاريخ والجغرافيا، ولعل تحذيرات جوتيريش تؤكد هذا المنحى الخطير.

الحرب الباردة لن تكون ثقافية هذه المرة كما جرت بين الروس والأمريكان فيما بعد الحرب العظمى الثانية، بل ستدور بأدوات ناعمة وخشنة، وتفكيك شركات، وحصار سلع وخدمات، وتحريم بضائع ومنتجات، وقد تلعب فيها العقائد ما بين سماوى وأرضى دورا فريدا.

والشاهد أن الذى سينجو من طاحونة هذه المعركة الفريدة، هو من يتخلى عن الانتظار، ويتقدم لبناء أمة فريدة، والإقليم العربى يمتلك الفرصة النادرة.

زر الذهاب إلى الأعلى