الرئيسيةتحقيقات

من الترشيد للتوسع في الزراعة وتغيير ثقافة الغذاء وحلول أخرى.. كيف تواجه الحكومة المصرية أزمة القمح وصولًا للاكتفاء الذاتي؟

جاء إعلان الحكومة عن رفع سعر توريد القمح من المزارعين كحافز إضافي لزيادة رصيد القمح المحلي إلى 6 ملايين طن، ليؤكد اهتمام الدولة المصرية بالمزارعين وحرصها على ضمان عائد عادل لكن في ذات الوقت فإن قضية توفير القمح للاستهلاك المحلي، تحتاج أيضا إلى حلول أخرى من خلال مراجعة ثقافة الاستهلاك وآلياته وطرق الزراعة أيضا ومحفزاتها.

مقترحات وبدائل وحلول كثيرة يطرحها خبراء من أجل توفير القمح وترشيد استهلاكه، ثم وضع إستراتيجية جديدة لزراعة القمح والتوسع فيها مع ضمان تسعير عادل يحفز المزارعين على الزراعة.. بالإضافة إلى ضرورة التفكير في خلط القمح بالشعير والذرة وغيرها لتوفير المحصول.

15 مليون مصري لا يتناولون القمح

قال الدكتور محمود محمد بنداري رئيس وحدة منتجات خالية الجلوتين بمعهد بحوث تكنولوجيا التغذية، إن مصر يمكنها أيضا أن توفر من استهلاك القمح المحلي لتوجيهه لمن يستحقه فقط؛ حيث إنه توجد شريحة من المجتمع يغفل عنها الجميع لا تتناول القمح ورغم ذلك يصل لهم رغيف الخبز المصنوع من القمح ولكن لا يستخدمونه وبالتالي يدخل في إطار القمح المهدر.

وتمثل هذه الشريحة الضخمة التي لا تتناول القمح نسبة تصل إلى ١٥٪ من السكان لديهم حساسية من القمح ولا يتناولونه؛ وهي نسبة تصل إلى حوالي ١٥ مليونا ونصف مليون فرد في مصر؛ ولذلك يلجأون لتناول بدائل القمح؛ وبذلك سنوفر كمية من الإنتاج المحلي من القمح كانت تذهب إلى ١٥ مليون فرد؛ ورغم ذلك لهم بطاقات تموينية فمن الممكن حصرهم ومعرفتهم وسحب بطاقاتهم التموينية.

حصة تموينية تتناسب مع سياسة الدولة

وفي نفس السياق أكد بنداري، أن مرضى حساسية القمح لديهم أوراق صحية تثبت مرضهم، مدعومة بتحليلات معروفة ولا يصلح فيه ادعاء المرض؛ مما يسهل سحب الحصة التموينية لهم بالنسبة للخبز فقط؛ مع إعطائهم أموالا على البطاقة التموينية الخاصة بهم أو بالطريقة التي تراها الدولة تتناسب مع سياستها.

العودة لخلط القمح والذرة لإنتاج الخبز

قال الدكتور محمد أحمد عبد الهادي أستاذ مساعد بقسم المحاصيل بكلية الزراعة جامعة عين شمس، إنه لتقليل الفجوة في محصول القمح؛ من الضروري العودة لخلط دقيق القمح ببعض المكونات مثل دقيق الذرة؛ وهي بالفعل كانت تجربة في عهد وزير التموين السابق الدكتور أحمد جويلي؛ حيث كانت تستلم الأفران عن كل ٨٠ كيلو قمح ينزل معه ٢٠ كيلو دقيق ذرة لخلطه في الأفران؛ وإنتاج رغيف العيش من هذا الخليط؛ وكان إنتاج رغيف جيد وجد استحسانا من الناس؛ خاصة أن دقيق الذرة صحي ولذلك يفضّل التفكير في العودة لهذه التجربة وتعميمها.

دقيق الشعير يخفض استهلاك القمح

وتابع عبد الهادي، أيضا بالنسبة لدقيق الشعير؛ يوجد الآن في مركز البحوث الزراعية تجربة يتحدث عنها حول إدخال دقيق الشعير وخلطه مع دقيق القمح؛ حيث إن الشعير يتم زراعته بمساحات كبيرة لأنه يزرع بمساحات كبيرة في الأراضي الجديدة؛ بالإضافة إلى أنه يتحمل الجفاف لذلك يزرعه البدو معتمدين في ري الشعير على مياه الأمطار؛ وبذلك فإن خلط الدقيق مع الشعير سيخفض نوعا ما من استهلاكنا للقمح؛ كما توجد أنواع أخرى يمكن خلطها مع القمح تجنبا لتأثيرات الحرب؛ وبهدف تقليل الفجوة فيجب إدخال حلول تجعلنا نمر من أي تبعات سلبية نتجت عن الحرب.

وسواء استمرت الحرب أو انتهت هنا نقول إذا ثبتت جدوى البدائل وخلطها مع القمح فلنستمر بها في حالة أنها كانت قادرة لتجعلنا نخفف من استيرادنا للقمح؛ لأننا في كل الأحوال لن نحقق الاكتفاء الذاتي من القمح؛ لأن المساحة المنزرعة من القمح في مصر لا تسمح.

حيث إن مصر تقوم بزراعة حوالي ٣ ملايين فدان وفقا لإحصائية العام الماضي ٢٠٢١؛ بمتوسط إنتاجية ٣ ملايين طن للفدان؛ أي ننتج ٩ ملايين طن قمح سنويا، والآن متوقع الزيادة لأنه يوجد ٥٠٠ ألف فدان أضافتهم الدولة في زراعة القمح، من خلال مشروع مستقبل مصر بالضبعة، لذلك من المتوقع في هذا العام زراعة 5.3 مليون فدان بمتوسط إنتاجية ٣ أطنان للفدان؛ أي سيتوافر حوالي ١٠ ملايين ونصف طن بزيادة تصل إلى 1.5 مليون طن.

كيف نقلل الفجوة باستبعاد محصول البنجر؟

وكشف عبد الهادي عن مقترح لتقليل الفجوة في إنتاج القمح من خلال التوسع الأفقي من خلال أضافه مساحات اكبر؛ وهو ما تعمد الدولة في تنفيذه حاليا.

ومن خطوات التوسع الأفقي أننا نقوم بإخراج ومنع زراعة محصول بنجر السكر من الأراضي القديمة؛ حيث إننا في فصل الشتاء لدينا ٣ محاصيل رئيسيه؛ تتنافس على المساحة المزروعة؛ وهي القمح ومحصول بنجر السكر ومحصول البرسيم المصري؛ وهنا نقول أن البنجر يجود زراعته في أراضي الاستصلاح الجديدة، فبذلك نترك مساحة أكبر لزراعة القمح.

غياب الدورة الزراعية وزراعة البنجر في الأراضي الجديدة

وفي نفس السياق قال الدكتور محمد عبد الهادي، إذا استطعنا أن نقوم بتحفيز الفلاح من خلال إعطائه سعرًا مميزًا للقمح، وأن يتم التعاقد على شرائه من الفلاح مع دعمه في الأسمدة وفي العمليات الزراعية هنا سنعيد له الرغبة في زراعه القمح في الأراضي القديمة، خاصة أننا اليوم لا يوجد لدينا إلزام للفلاح من وقت إلغاء الدورة الزراعية؛ حيث أصبح الفلاح يزرع المحصول الذي سيحقق له مكاسب وأرباحًا؛ ولن نتمكن من عودة الدورة الزراعية بعدما حدث من تحرير الزراعة. نظرا لأننا أصبحنا في اقتصاد حر؛ حيث إننا أصبحنا جزءًا من الاقتصاد العالمي وحدث تحرير الزراعة لأن توجهنا أصبح رأسماليًا حرًا وليس اشتراكيًا.

وبالتالي الدورة الزراعية والتعاونيات الزراعية والإصلاح جميعهم كانت من زمن الاشتراكية، ولأن توجهنا من بعد ١٩٧٣ كان للسوق الحرة؛ وبالتالي لابد أخذ خطوة في زراعة البنجر في الأراضي الجديدة وبتالي نستطيع أضافه جزء من الأراضي القديمة إلى المساحة المزروعة من القمح بذلك ننجح في التوسع الأفقي في زراعة القمح.

التوسع الرأسي وأصناف جديدة من القمح

واصل عبد الهادي حديثه حول تقليل فجوة القمح، أنه من الضروري التوسع الرأسي والذي يقصد به زيادة إنتاجية الفدان من ١٨ إردب إلى ٢٢ و٢٤ فدان؛ وذلك من خلال اختيار أصناف القمح وهي أصناف متفوقة في مصر؛ وبالفعل لدى مصر القدرة في إنتاج أصناف أكثر تميزًا.

وقد تكون التغيرات المناخية المتقلبة الحالية تجعلنا ننتح أصنافًا تتناسب مع هذه التغيرات؛ وهذا أول بند في التوسع الرأسي؛ أما البند الثاني فيكمن في المعاملات الزراعية والمقصود بها التسميد ومكافحة الحشائش والري جميعها تحتاج أن نحدث أيضا حزمة من التوصيات لمحصول القمح؛ بحيث تكون متواكبة مع التغيرات المناخية التي حدثت.

غياب الإرشاد الزراعي

وتابع عبد الهادي في نفس الوقت يكون لدينا جهاز إرشاد زراعي قوي يستطيع توصيل المعلومات للمزارع وفقا للتوصيات الصادرة من مركز البحوث الزراعية في كيفية التعامل مع أصناف القمح؛ ولكن المشكلة أن هناك فجوة في توصيل المعلومة للمزارع والذي يجب أن يصل من خلال الإرشاد الزراعي.

ولكن من المؤسف أن الإرشاد الزراعي ليس في أحسن حالاته الآن نتيجة أنه كان يعتمد على عدد من المهندسين الزراعيين أخلو أماكنهم نتيجة الخروج على المعاش؛ وحاليا لا وجد بدائل لهم نظرا لعدم وجود تعيينات جديدة بذلك المشرف الذي كان مسئول عن ألف فدان؛ أصبح الآن مسئولًا عن مساحة أكبر بالتالي لن يتمكن من الإشراف على هذه المساحات الكبيرة.

أيضا توجد جمعيات زراعية لم يعد يوجد بها مرشد زراعي فبذلك أصبح الجهاز الزراعي الآن يحتاج إلى تطوير ليس بالشكل القديم؛ ولكن أن يكون التطوير من خلال الاعتماد على التكنولوجيا الجديدة والإعلام الزراعي؛ من خلال مخاطبة الفلاح باللغة التي يفهمها؛ مثل قناة مصر الزراعية ونستطيع أن نوصل إليه الإرشادات الزراعية بحيث إنه يعرف صفات أصناف القمح ويستخدم الجيد منها؛ ويعامله بالمعاملات الصحيحة؛ فينتج أعلى إنتاجية وهذا كله يندرج تحت التوسع الرأسي التي تهدف إلى زيادة إنتاجيه الفدان الواحد.

الترشيد عبر تغيير ثقافة التغذية

والجانب الآخر لتقليل الفجوة لمحصول القمح؛ يأتي من خلال الترشيد؛ حيث إن متوسطات الاستهلاك بالنسبة للقمح على مستوى العالم مقارنة بمصر؛ نجد أن نصيب الفرد وفقا للمتوسط العالمي لمنظمة الفاو أن نصيب الفرد من القمح على مستوى العالم يصل على حوالي ٧٠ كيلو قمح في السنة؛ ليس منهم الأطفال، ولكن نحن في مصر يحصل الفرد على ١٨٠ كيلو جرام، ويرجع ذلك بسبب ثقافة التغذية في مصر المعتمدة على الخبز؛ لأن في الدول الأخرى يحدث توازن في تناول واستهلاك نوع واحد فقط من النشويات في الوجبة النشويات بمعنى إذا كانت الوجبة بها أرز لا يستخدم معها البطاطس وهكذا؛ ولكن في مصر يحدث العكس ويتم الاعتماد بشكل كبير على العيش نظرا لأن ظروف المواطن المادية ليست جيدة ولا يوجد لديه رفاهية؛ هنا لابد من توعية المواطن من خلال برامج توعية لتغيير وعي المواطن حتى يقتنع؛ كما حدث من قبل في إقناع شريحة كبيرة بخطورة السكر.

مع توعية المواطن أن فائدة الوجبة في جودتها وفي الكم وليس الكيف؛ من خلال استخدام وجبة غذاء بها تنوع بدون تكلفة وهي ما تتحدث عنها القيادة السياسية في تغذية الأبناء من خلال تغذية متوازنة؛ للحفاظ على صحتهم وحمايتهم من السمنة وهو ما تركز عليه الدولة لأنها تعوق المواطن عن الإنتاج.

وكل هذه البدائل المطروحة متاحة؛ لأننا لا نستطيع زراعة كل الأرض بالقمحً هذا ما أكده الدكتور محمد عبد الهادي لأننا في مصر نستهلك ١٨ مليون طن قمح سنويا؛ فإذا زرعنا المساحة الموجودة وهي ٦ ملايين فدان مقسمة بين زراعة كافة أنواع الخضر والفاكهة والمحاصيل الإستراتيجية؛ رغم أن مساحة ال ٦ أفدنة هي فقط إمكانياتنا المتاحة في مصر، خاصة أن زراعة القمح في الأراضي الجديدة لا تأتي بإنتاجية عالية؛ لذلك الحلول لا يمكن تسد الفجوة من القمح، ولكن سنقلل الفجوة ونحقق فقط اكتفاء ذاتيًا لكن بنسبه ٧٥٪.

زر الذهاب إلى الأعلى