مقالات وكتاب

“محمد الصقار” يكتب: تحقيق العدالة الرقمية في مصر

لم يكن تحقيق العدالة يومًا، بمعزل عن ملف التحول الرقمي في مصر، حيث أتاح التحول الرقمي للمؤسسات القضائية والقانونية الاستفادة من هذه الطفرة، من خلال تسخير الثورة الرقمية لخدمة العدالة والقانون في الدولة الرائدة عربيًا وإقليميًا.

ويعتبر الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، هو حجر الزاوية في مصر، بما يضمن للمواطنين إقامة نظام عدالة يتسم بالإنصاف والاستقلال والمساواة والكفاءة والشفافية، يمكن الجميع من الوصول إلى عدالة ناجزة.

فمن خلال التعاون مع مركز المعلومات بوزارة العدل، أطلقت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ما يُعرف بمنظومة “العدالة الرقمية” لتسهيل تحقيق العدالة وتحقيق العدالة الناجزة.

والعدالة الإلكترونية، بمفهومها العام تعني استخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصال، في تسهيل التواصل بين مختلف المتعاملين في ميدان القانون والقضاء “المحامون، القضاة، السلطات التنفيذية)، وتتمثل الفوائد الرئيسية لنظام العدالة الرقمية في زيادة كفاءة النظام القضائي، والحد من التكاليف وتقليص فترة الاختصام القانوني بين المتهمين وأصحاب الحقوق، وتبسيط تطبيق الإجراءات واللوائح  القانونية، وسرعة العمل بالمحاكم، والحد من النظام التقليدي الورقي، كما أنه سيتم العمل بما يُعرف بـ”المحكمة الافتراضية” والتي بموجبها سيتم  عقد الجلسات بالفيديو كونفرانس “عن بُعد”، بما يسهل تطبيق العدالة عن بُعد ويذلل الصعوبات المتعلقة بالظروف الحالية بسبب أزمة جائحة كورونا، فيما يتعلق بالاختصاص المكاني إذ أنه في مجال العدالة الرقمية يتم إعفاء المتقاضين من الانتقال إلى المحاكم.

ويواجه ملف العدالة الرقمية على أرض الواقع، صعوبات وتحديات كثيرة في مصر، لكن تم انجاز العديد من الملفات أهمها إطلاق العديد من المكاتب الرقمية الخاصة بنيابات الأسرة وغيرها ويعتبر هذا المجهود إنجاز غير مسبوق.

وأثبتت الدراسات، أن دمج الأنظمة المعلوماتية في قطاع العدالة أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا، نظرًا لكثرة الإجراءات والمساطر وتعقدها في المحاكم التقليدية، كما أن تطوير وتطبيق نظام العدالة الرقمية يتبعه تعديل وتغيير وتطوير بعض المعايير والأنظمة والقوانين التي تؤثر على الممارسات القضائية بين الفاعلين الأساسيين في ميدان العدالة.

وتمتاز العدالة الرقمية، بما ما يسمى بالأرشيف الإلكتروني عن طريق تسهيل عملية الاستنساخ في عدة أشكال، وبسرعة وبأقل تكاليف من نسخ الورق، كما يمكن تحويله آليا من مكان إلى مكان بفضل الإنترنت، حيث يُصبح حفظ ملفات المحكمة عبارة بنك للمعلومات الإلكترونية على مستوى الدولة، يوُحفظ الأرشيف على المدى الطويل، كما أنه لا يستغل حيزًا مكانيًا كبيرًا، وهو بديل عن المستودعات الضخمة التي هي بحاجة إلى العنصر البشري واستثمارات إضافية.

وظهر حديثا ما يمكن أن نسميه “المحامي الإلكتروني” الذي يقوم بتقديم خدمات الاستشارة عبر شبكة الإنترنت والشبكات الاجتماعية، ويتعامل بشكل إلكتروني مع موكليه دون الحاجة إلى الالتقاء بهم، كما أنه يتبادل الإجراءات مع المحاكم عبر الوسائط الإلكترونية، مما جعله في صلب العدالة الرقمية وفاعلاً أساسيًا فيها، حيث مكنت التكنولوجيا المحامين من التواصل مع بعضهم البعض، كما مكنت الجمهور من معرفة المعلومات اللازمة عن المحامين.

وأصبح استخدام تكنولوجيا الاتصال الحديثة، يشهد تطورًا متزايدًا في الحياة اليومية، وفي ظل هذا التوجه ارتفعت معدلات استخدام المحامين للفاكسات والهواتف اللاسلكية، والهواتف الخلوية، والبريد الإلكتروني، والبريد الصوتي، والشبكات الداخلية وشبكة الإنترنت في تسيير أعمالهم، على الرغم من أن بعض المحامين لا يزالون يرفضون استخدام التكنولوجيات الجديدة في ممارساتهم، فعدد المحامين الذين يستخدمون الهواتف الخلوية و”تصفح الشبكة” في تطور مستمر.

هذه التحديات الجديدة جعلت من الصعب على المحامين تحديد الأخلاقيات والمبادئ عبر الشبكات المفتوحة، فلم تكن مهنة المحاماة، ولن تكون بعيدة عن مبدأ التأثر والتأثير، ولن تكون بمعزل عن هذه التطورات الجذرية، التي من حولها، مما استدعى الاستفادة من المعلومات في تدبير مكاتب المحاماة.

ويعتبر “التحكيم الإلكتروني” نموذج رائد من أهم النماذج للعدالة الرقمية، ويُقصد به ذلك التحكيم الذي تتم إجراءاته عبر شبكة الإنترنـت، وهـو يكتـسب صـفة الإلكترونية من الطريقة التي يتم بها، حيث تتم بطريقة سمعية بصرية عبر شـبكة دوليـة مفتوحـة للاتصال عن بعد، دون الحاجة إلى التقاء أطراف النزاع والمحكمين في مكان معين.

ويرجع الاهتمام بالتحكيم الالكتروني، لتفادي الأوضاع والظروف التي تتعلق بالكوارث والأزمات غير المتوقعة، ومنها أزمة جائحة كورونا، التي يمر بها العالم حاليًا، وعند التقيد بالإجراءات الاحترازية لا يمكن أبدًا أن تزدحم قاعات المحاكم بالمواطنين، حيث يكون التحكيم الالكتروني وعقد الجلسات الكترونيًا من أهم مميزات العدالة الرقمية.

زر الذهاب إلى الأعلى