فنون و ثقافة

محمد أرسلان علي يكتب: عبد الخالق عبد الله وهمسة.. «لحظة من فضلكم»

قليلون الذين يبدعون في كتابة تاريخ بلدانهم ودولهم بعيدًا عن المديح والإطراء، والسبب بكل بساطة هو أن “التاريخ دائماً يكتبه المنتصرون”، على دماء وأطلال جثث الشعوب والمجتمعات التي احتلوها تحت أية حجة كانت. هذا ما نعرفه عن معظم كتب التاريخ المكتوبة التي تصل لأيدينا. قلت قليلون الذين يحاولون كتابة الحقيقة التي يعيشونها بعيداً عن طبائع وخصال المؤرخين الذين ينتظرون ما سيمنحهم إياه الزعماء والملوك من هدايا وما شابه.

هؤلاء القليلون ورغم الصعوبة التي يعانونها جراء التفكير بهذا الأمر، إلا أنهم بمحاولتهم تلك يسعون للخروج من صندوق المؤرخين ليخطوا ما يرونه ويعيشونه بعيداً عن التملق والمجاملة، لأن كل هدفهم هو إيصال الحقيقة والواقع للأجيال اللاحقة والأحفاد الذين سيبحثون يوماً ما في بطون الكتب لمعرفة كيف كان يعيش الأجداد والآباء.

هنا ربما نتوصل لنوعين من الكتبة؛ أولهما كتبة السلاطين والزعماء الذين يمدحون ويجاملون وفق ما يريده السلطان. أما النوع الآخر فهم كتبة المجتمعات الذين همهم نقل ما يرونه للقادم وليس الحاضر. أي الأول هو كاتب يكتب ما يريده الآخرين للوقت الحاضر، والآخر هو كاتب مثقف يحمل أمانة إيصال المعلومة والحقيقة للأجيال القادمة. هو مثقف لأن المثقف يعتبر ضمير الأمة والمجتمعات وكل كلمة يخطها يعرف تماماً أنها محسوبة عليه. لهذا، نراه يتردد في كل كلمة يكتبها والأصح أنه يبحث عن الكلمة كي يضعها في مكانها الصحيح والسليم.

الكاتب المثقف عبد الخالق عبد الله الذي جعلنا نبحر في كتابه (لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر)، ليس من أجل السياحة وقضاء الوقت، بل لأن الكاتب المثقف عبد الخالق يدرك تماماً أن السباحة الآن باتت إحدى وسائل التداوي من الأمراض. وهو بالفعل كأنه يحثنا بكتابه هذا أن نتداوى ذهنياً ومعلوماتياً وليجعلنا أن نغير ما كنا نؤمن به على أنه الحقيقة، لكنه من خلال هذا الكتاب غير الكثير من الذي كما نؤمن به على أنها حقائق. بل بعد أن تنهي قراءة الكتاب تشعر بأن الكاتب المثقف قد عمل على غربلة الأفكار والمعلومات التي لدينا وبنفس الوقت أعادة ترتيب هذه الأفكار ووضعها في مكانها المناسب.

بأسلوبه السردي المرن والجاذب للقراءة وبكلماته البسيطة والبعيدة عن المرادفات الفلسفية والتاريخية وكأنه يهمس في آذاننا ويقول لنا “لحظة من فضلكم، نحن لسنا كما تتهيؤون وتعتقدون”. وأن الانسان في حالة تطور دائمة كما هي المجتمعات وليس هناك شيء ثابت، وأن ما كان عليه الخليج في القرن المنصرم لم يعد كائن وموجود، بل تغير وحطم كافة الأصنام التي كانت موجودة في مجتمعات الخليج سابقاً، والآن نعم الآن الخليج يعيش القرن الحادي والعشرون مستفيداً من دروس الماضي للانطلاق نحو المستقبل.

توثيق هذه اللحظات غير المنتهية والتي اختار الكاتب المثقف عبد الخالق بعضاً منها ليعرفنا عن آلية والأسلوب المتبع للانطلاق نحو المستقبل وما هي رؤيتهم لعقود قادمة، رغم التنافس والصراع بعض الأحيان، إلا أن الكل متفق على النهوض ونفض غبار القرن العشرين المنصرم وتهيئة الذات من كافة النواحي ليكون للخليج موطئ قدم في المستقبل.

بكل تأكيد أن الاقتصاد القوي والتطور التقني والمعلوماتية والقوة العسكرية وغيرها تعتبر من عوامل بناء المستقبل لأي دولة أو طرف يريد أن يكون له مكانة في المستقبل، لكن حسب رأيي أن الفكر النير والجديد والباحث عن وضع الحلول للمعضلات والقضايا والمشاكل التي تعيشها المنطقة بشكل عام، تعتبر من أهم العوامل التي تُثَبّت الأقدام في مسيرة البحث عن المستقبل.

لحظات كثيرة كتب عنها المثقف عبد الخالق ولا أريد تناولها فرادى، بل ارتأيت أن أوضح وجهة نظري المتواضعة أمام عمله هذا -أي الكتاب- بشكل عام لأني استفدت منه كثيراً وأعترف أنني قمت أو بالأحرى أن الاستاذ عبد الخالق حثني على غربلة بعض المعلومات والأفكار المتواجدة عندي وتصحيحها وترتيبها من جديد على وقع مسيرة الخليج نحو المستقبل.

أخيراً، كل الشكر والامتنان للكاتب المثقف عبد الخالق عبد الله الذي تواضع وأرسل نسختين من كتابه “لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر”. وبكل تأكيد أعترف ثانية أن الذي وصلني ليس فقط حفنة من الأوراق المطبوعة تحت مسمى كتاب، بل الذي وصلني هو لحظة فكر ورؤية الكاتب والمثقف عبد الخالق عبد الله الذي لا يعيش ذاته، بقدر ما يعيش لحظة الخليج ككل.

أرجوا أن تتقبل رأيي المتواضع هذا أمام عملكم هذا.

محمد أرسلان علي

5 – 6 – 2021

زر الذهاب إلى الأعلى