فنون و ثقافة

«لَسْتُ جَدِيرَةً بِهْ».. خواطر بقلم ملك ياسر

كَشَمْسٍ تُشْرِقُ مِن الغَرْب؛ لُقْيَانَا فَنَاء

–  لِمَا؟

نَظَرَتْ لِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا المُتَشَابِكَةِ بِحُزْنٍ بُرْهَةً ثُمَّ أَجَابَت: لَسْتُ جَدِيرَةً بِهْ.

– كَيْف؟! وَحُبُّكِ لَهَ!

تَنَهَدَتْ فِي أَسَى وَقاَلَتْ: لَا أُحِبُّه… بَلْ عَشِقْتُه حَتَّى تَمَلَّكَ عِشْقُه مِنْ كُلِّ ذَرَّةٍ فِيّ، كُلُّ مَا قُلْتُه أَنِّي لَسْتُ جَدِيرَةً، وَأَنَّى عَسَايَ أَكُون وَنَحْنُ مُتَنَاقِضَيْن جُلَّ النَقِيض! هُو الرَّبِيعُ إِذْ أَقْبَلَ عَلَي الأَرْضِ يَبْعَثُ بِهَا الرُّوح بَعْدَ أَنْ أَمَاتَهَا بَرْدُ الشِّتَاء القَارِص، وَمَا أَنَا إِلَّا خَرِيفٌ يُجَرِّدُهَا مِنْ كُلِّ مَا يَقِيهَا المَوْت، بَلْ وَأَسْلِبُهَا كُلَّ أَمَلٍ أَخَالُهَا تَمْلُكُه.

أَمَّا عَنْه: فَهُو شَمْسٌ تُشْرِقُ لَيلَ كُلِّ مَنْ يَرَاه؛ ضَوْءُه يُنِيرُ القُلُوب، أَيْنَمَا وَطِأَتْ قَدَمَاه نَبُتَتْ أَزْهَارٌ يَبْعَثُ عَبِيقُهَا السُّرُورَ فِى رَوْحِ كُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِهَا، أَمَّا زَرْقَاوَتَاه فَنَهْرَان يَرْوِيَان ظَمَأَ كُلّ نَاظِرٍ بِهِمَا، وَرَوْحُه كِسَاءٌ يَبُثُّ الدِّفْئ فِى النُّفُوس، تُحِيطُهُ هَالَةٌ مِن الحُب شَمِلَتْ فِى ثَنَايَاها الكَوْن بِأَسْرِه.

وَأَمَّا عَنِّي فَكُنْتُ كَقُنْطُورس ألَا يَرْتَدُّ عَنِّي ضَوْء وَمَا كَانَت شَمْسُه لِتُؤَثِّرَ فِى زَمْكَانِيَ المُخْتَل، وَأَرْضِي لَمْ تَكُن سِوَى حِمَمْ لَا يَكُفُّ سَيْلُهَا؛ إِذْ وَطِأَتْهَا قَدَمَاهُ إِحْتَرَقَتْ وَكَفَّتْ عَنْ الإِنْبَات فَمَا عَادَ للعَبِيقِ مَنْبَع وَلاَ لِلنُفُوس مَا يَسُرُّهَا، وَعَنْ عَذْبَاوَاه فَأَنَّى لَهُمَا أَنْ يَرْوِيَا ظَمَأَ صَحْرَاءٍ تَمْتَدُ حَيْثُ لَا وُجُودَ لِنِهَايَة؛ سَيَجِفَّان قَبْل أَن يَبتَلَّ تَلٌّ صَغِيرٌ مِن رِمَالِي العَطْشَى، وَرَوْحُه أَنَّى لِكِسَاءٍ أَيًّا كَانَ كُنْهُه أَنْ يُدفِئَ جَبَلَ جَلِيدٍ يَزْدَادُ سَقِيعُه مَعَ الوَقْت، أَمَّا هَالَتُه وَإِنْ شَمِلَتْ الكَوْنَ كُلَّهُ لَنْ تَشْمَلَنِي؛ فَلِي كَوْنٌ مُنْفَرِدٌ بِذَاتِهِ كَامِنٌ فِى بُعْدٍ مُوَازٍ غَيْرَ بُعْدِه.

وَلَسْتُ أَنَا بِتِلْكَ الأَنَانِية لِاَسْلُبَ الفَجْرَ شُرُوقَ شَمْسِه، أَوْ أَن أَحْرِمَ النُّفُوس مَا يَسُرُّهَا، وَلَيْسَ بِيَ الطَّمَعُ لِأَرْضَى بِجَفَافِ نَهْرَيْه وَتَرْكِ مَنْ جَاءَ يَبْتَغِي السُّقْيَا يَهْلَكُ عَطَشَاً، لِيَهْلَك جَلِيدِي فِى سَقِيعِه دُونَ دِفْئ، وَلِيَطْمِسَ الكُرْهُ وَالوَحْدَة كَوْنِي فِى بُعْدِه السَّحِيق ذاك،لِيَنْعَمَ كَوْنُ البَشَرِ بِهَالَةِ مَعْشُوقِي؛ أَفَهِمْتَ الآنَ لِمَا؟

– آسَفُ لِكُلِّ هَذَا، خِلْتُكِ أَنَانِيةً لِأَقْصَى الحُدُودِ حِينَ أَخْبَرَنِي بِهَجْرِكِ إِيَّاه ولَكِن إِتَّضَحَ أَنْ لَيْسَ فِى إِيثَارِك مَثِيل.

إِبْتَسَمَتْ بِأَلَم وَهَمَّتْ بِالوُقُفِ قَائِلَةً: اِعْذُرْنِي يَجِبُ أَنْ أَرْحَل فَقَدْ أَقْبَلَ عَبِيقُه وَإِقْتَرَبَ حُضُورُه وَلَا أَخَالُنِي بِتِلكَ القُوَّة لِأُوَاجِهَه.

أَدَارَت ظَهْرَهَا دُونَ إِنْتِظَارِ رَد، ذَهَبَت لِتَرْحَمَ العَالَم أَلَمِ المَوْت وَتَدَعُه يَنْعَمَ بِبَعْضِ الحَيَاةِ.

زر الذهاب إلى الأعلى