مقالات وكتاب

ليلي موسي تكتب: صراع على المعابر بذرائع إنسانية لتمرير مشاريع سياسية واقتصادية

سوريا ذات الموقع الجيوستراتيجي، موقعها المتوسط بين كل من تركيا، العراق، لبنان، الأردن، والبحر الأبيض المتوسط منحها المزيد من الأهمية الاستراتيجية لأنها بذلك تشكل عقدة مواصلات للتبادل التجاري والاقتصادي والانفتاح على الأخر.

هذا الموقع الجيوستراتيجي، وبعد الأزمة السورية وبفعل سياسات الدول الفاعلة والمتدخلة فيها تحول إلى كارثة على الشعب السوري وزاد من معاناته، بسبب استغلاله من قبل هذه الدول لتمرير سياساتها وخدمة لأجنداتها واستراتيجياتها ومشاريعها الاقتصادية والتوسعية.

كما تعلمون وبعد الأزمة السورية لم يعد الحديث يقتصر على المعابر الحدودية مع الدول المجاورة لسوريا وحدها فقط، بل يشمل على المعابر بين مناطق النفوذ في الداخل السوري أيضاً (مناطق نفوذ النظام السوري، مناطق نفوذ المعارضة المتطرفة “الائتلاف”  المرتهنة لتركيا، ومناطق نفوذ الإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا).

مثلما تم استغلال الأزمة السورية، وعلى كافة المستويات والجوانب لتحقيق مشاريع وأجندات الدول المتدخلة فيها لم يكن موضوع المعابر بمعزل عن ذلك، وبسبب عدم توصل الأطراف الفاعلة إلى تفاهمات فيما بينهم كانت النتيجة إطالة عمر الأزمة التي تجاوزت عامها العاشر، والكل يتهم الأخر في عرقلة الحل وتعقيد الأزمة. لذلك سنسلط الضوء على بعض جوانب موضوع المعابر والشريان الذي يمد الشعب بالحياة والاستقرار. وكان هذا الموضوع من أحد المواضيع والجوانب التي تم تسخيرها ومازالت من قبل بعض الدول والجهات، وكانت أحد الأسباب في زيادة معاناة الشعب السوري.

السؤال الذي يطرح نفسه ما هي الأجندات الخفية للجهات والقوى المستغلة للمعابر الحدودية سواء الداخلية أو الخارجية؟ وماهي التداعيات الناجمة عن الاستغلال هذا؟

حيث كان موضوع المعابر السورية أحد المواضيع المدرجة على جدول أعمال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بغرض ايصال المساعدات الإنسانية للشعب السوري، وكان أحد أبرز نقاط الخلافية بين الدول. بالرغم من نداءات بعض الدول والجهات من فتح المعابر لإيصال المساعدات الإنسانية للشعب السوري لعدم احتكارها من جهة واحدة، إلا أن المجتمع الدولي وقف عاجز ولم يستطع تحقيق تقدم في هذا الموضوع بما يلبي احتياجات الشعب ويقلل من معاناته بل على العكس زادت من معاناته بسبب تضارب المصالح فيما بينهم.

فروسيا التي تطعن بشرعية جميع خصومها من القوى والدول المتواجدة في سوريا، انطلاقاً من امتلاكها شرعية تواجدها بناء على طلب من الحكومة السورية والتي مازالت تحتفظ بكرسيها في مجلس الأمن. لذلك روسيا تسعى بكل ما في وسعها بإعادة سيطرة النظام السوري على كامل الجغرافية السورية قبل حلحلة الأزمة السورية أو بدء عملية انتقال سياسي. ومن أجل ذلك لم تتردد في استخدام الفيتو مع الصين لمنع فتح معابر مع مناطق المعارضة السورية التقليدية ومناطق الإدارة الذاتية، والهدف من ذلك إضعافهما وإدخال جميع المساعدات عن طريق الحكومة المركزية لإنقاذ النظام وانتعاشه وخاصة في ظل تراجع الليرة السورية أمام الدولار وفقدان سيطرته على غالبية الثروات والموارد الاقتصادية السورية، وتردي الأوضاع المعيشية في مناطق سيطرته وتراجع شعبيته خوفاً من تجدد اندلاع انتفاضات وثورة جياع ضد النظام، ومنحه فرصة التحكم بمناطق النفوذ الأخرى وجعلها تابعة له.

وفي الطرف المقابل تسعى روسيا إلى فتح معابر داخلية مع مناطق نفوذ المعارضة المسلحة “الإئتلاف” وهي كل من معبر سراقب وميزناز في منطقة إدلب وممر أبو زندين في منطقة حلب، كحلول إسعافية بغرض إنعاش الاقتصاد ورفع قيمة الليرة السورية والاستفادة من ميزة كونها تجارة داخلية ومعفية من عقوبات قانون القيصر وهو ما قُبِلَ برفض تركي.

كما لا يتوان الروس بين الفينة والأخرى بابتزاز مناطق الإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا بإغلاق المعابر المشتركة (التايهة، الطبقة، العكيرشي) معها بالاتفاق مع الأتراك لفرض المزيد من الحصار عليها وإضعافها لفرض أجنداتها عليها. وخاصة أن مناطق الإدارة تمتلك من المقومات التي تؤهلها على تأمين اكتفاءها الذاتي. حيث كانت هذه المناطق تؤمن أكثر من 60% من الاقتصاد للبلاد. لذلك تلجأ تارة إلى تهديدها في حال عدم تسليم هذه المناطق للنظام السوري حينها سيكون هناك اجتياح واحتلال تركي لمناطق جديدة. وكما تسعى من سياساتها بتجويع الشعب عبر فرض الحصار عليها وذلك من خلال تأليب شعوب المنطقة على الإدارة وعلى أنها غير كفوءة وغير جديرة بإدارة البلاد ونعتها بالعمالة والانفصالية.

 أما الدولة التركية، وإدارتها للمناطق المحتلة “إعزاز، الباب، جرابلس، عفرين، سري كانيه/رأس العين، كري سبي/تل أبيض”، وتحكمها بمنطقة إدلب الخاضعة لسيطرة بما تسمى بحكومة الانقاذ الوطنية، ورغم وجود المعارضة السورية المسلحة في المناطق الخاضعة لاحتلالها إلا أن تواجد هذه المعارضة هي أدوات لتبرير وتحقيق الأجندات والمشاريع التركية سواء في سوريا أو في الخارج منها.

الدولة التركية وبحكم حدودها المشتركة مع سوريا ومنذ الأيام الأولى من الحراك الثوري السوري استخدمته بكامل حذافيره، بداية عبر خطابات غوغائية وتحت عباءة نصرة الشعب السوري فتحت حدودها أمام السوريين وشجعت على تفريغ المناطق من سكانها لتتقاضى مليارات الدولار المقدمة من المجتمع الدولي لدعم اللاجئين السورين من جهة، ومن جهة أخرى تستخدمهم كورقة ضغط لابتزاز المجتمع الدولي لتبرير مشاريعها سواء بتهديد فتح حدودها أمامهم للهجرة إلى أوروبا أو تحقيق مشروعها في إنشاء مناطق أمنة بذريعة محاربة الإرهاب وتوطين اللاجئين فيها. وكما استخدمت حدودها لسرقة ونهب الثروات ومقدرات البلاد وهي حقيقة باتت معلومة للقاصي والدّاني، بالإضافة إلى إدخال عناصر داعش الأجنبية عبر معابرها مع سوريا، ففي الوقت الذي كانت دولة الاحتلال التركي تفتح معابرها على مصرعيه مع داعش قامت بإغلاق جميع منافذها ومعابرها مع مناطق الإدارة الذاتية منها (معبر نصيبين، الدرباسية، كوباني) وبعد احتلالها لمدينة عفرين قامت بتدشين معبر غصن الزيتون الحدودي مع مدينة عفرين .

طبعاً، الدولة التركية لم تتوقف عند هذا الحد فحسب، بل عندما فشلت مساعيها بإيصال جماعة الإخوان لتمسك بزمام السلطة في سوريا، بسبب تمسك بعض الدول وفي مقدمتها روسيا وإيران بالنظام، عملت تركيا على دعم إقامة دولة الخلافة تحت مسمى داعش والتي وجدت ضالتها فيها لتمرير مشروعها في الميثاق الملي. وفشلت في ذلك أيضًا بسبب المقاومة الباسلة التي أبدتها قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي. واحتلال التركي لبعض المناطق عبر مسرحية استلام وتسليم مع داعش، والبعض باتفاق مع الروس والرئيس الأمريكي السابق ترامب. وبالرغم من جميع الجهود الحثيثة التي تبذلها تركيا إلا أنها لا زالت لم تتمكن من النيل من الإدارة الذاتية ووأدها كما تتمنى هي.

ولاستكمال مشاريعها الاحتلالية للمنطقة وبالاتفاق مع الحكومة العراقية تسعى إلى استحداث معبر أوفاكواي على حدودها مع العراق، هادفة من وراء مشروعها هذا ليكون بديلاً عن معبر إبراهيم الخليل، بحيث تكون تجارتها مباشرة مع الحكومة العراقية المركزية من تلعفر إلى الموصل ومنها مباشرة إلى بغداد بطول 120كم لتعزيز العلاقة بين البلدين سياسيًا واقتصاديًا وحرمان حكومة إقليم كردستان من الرسوم الجمركية والتي وصلت إلى 16 مليار دولار عام 2016 م بحسب وكالة الأناضول التركية. بالإضافة طول الحدود تكون ذريعة لتركيا بنشر جنودها تمهيدًا لعزل شنكال عن الإقليم. إضافة لتكون السبيل لتعطيل معبر فيش خابور الشريان الوحيد الذي يغذي مناطق الإدارة الذاتية من طرف حكومة الإقليم، خاصة أن معبر تل كوجر “اليعربية” الذي يربط بين الحكومة العراقية والإدارة الذاتية مغلق بسبب الفيتو الروسي –الصيني، منذ العام الفائت ففي 10 – كانون الثاني – 2020م، والتي كانت المنفذ الوحيد للعديد من المنظمات الإنسانية لإيصال المساعدات الإنسانية لشعوب المنطقة.

هذا المعبر الوحيد الذي تدخل من خلاله المساعدات الإنسانية إلى مناطق الإدارة الذاتية ذات الكثافة السكانية والتي تفوق خمسة ملايين، بالإضافة إلى وجود العديد من مخيمات للنازحين واللاجئين (مخيم روج، الهول، واشوكاني، تل أبيض، سردم، برخدان….إلخ) وفي ظل تهديدات وممارسات المستمرة التي تمارسها دولة الاحتلال التركي بشكل ممنهج حيال المنطقة من عمليات قصف مستمرة وقطع مياه نهرت الفرات عنها، بالإضافة إلى انتشار جائحة كورونا وتداعيات قانون القيصر، وحالة جفاف التي تشهدها المنطقة  كل هذه الأمور مجتمعة زاد من وطأة تأزم الوضع الإنساني في مناطق الإدارة الذاتية، لذلك انطلاقاً من الحالة الإنسانية ضروري إعادة فتح هذا المعبر.

 وبالرغم من حث وزير الخارجية الأمريكية انتوني بلينكن خلال جلسة الأمن الذي ترأسه في 29- أذار -2021م فتح معبر تل كوجر وتقديم المساعدات لـمليون  وثلاثمائة مواطن في مناطق الشمال الشرقي” ونداءات المستمرة الإدارة الذاتية والعديد من المنظمات الحقوقية والإنسانية دون من وجود آذان صاغية.

بالرغم من ادعاء جميع الجهات تحفظاتها على إغلاق المعابر الحدودية لدواعي أمنية وإنسانية وقطع الطريق أمام استغلالها من قبل جماعات إرهابية، لكن في حقيقة الأمر تكمن خلف تلك المخاوف والهواجس دوافع سياسية واقتصادية أسهمت في إطالة الأزمة السورية وزيادة معاناة الشعب السوري وتأزيم الوضع الإنساني.

وللتذليل والتقليل من تلك التداعيات يتطلب من الشعب السوري بالدرجة الأولى الوقوف في وجه هذه المخططات المحاكة ضدهم، وأن تلعب الدول العربية دورها في الحفاظ على وحدة سوريا شعباً وأرضاً ووضع حد للتدخلات الإقليمية وبشكل خاص الدولة التركية وإيران. وليكن معلوم للجميع أن نجاح مشاريع إيران وتركيا لن يقتصر على سوريا فحسب، بل سيتمدد إلى الدول والمناطق الأخرى في الشرق الأوسط. وكما يتطلب من المجتمع الدولي لعب دوره والقيام بمسؤوليته الأخلاقية والإنسانية والقانونية وعدم ترك مصير الشعب السوري مرهون بالفيتو الروسي ــ الصيني، والضغوط والابتزاز التركي، وخاصة في وقت يعيش فيه الشعب السوري أحلك مراحله من تراجع في الوضع المعيشي. حيث أن أكثر من 80% من الشعب يرزحون تحت خط الفقر، والذي زاد الطين بلة عقوبات قانون القيصر وجائحة كورونا والبنية التحتية المدمرة بشكل شبه كامل، واستمرار خطر انتشار الخلايا النائمة لتنظيم داعش، وسعي النظام وبعقليته العنصرية والشوفينية بالتعامل مع الأزمة والتطورات الحاصلة بعقلية ما قبل 2011م وذلك بدعم ومساندة الروس والايرانيين والاتفاق مع تركيا بشكل خاص حيال مناطق الإدارة الذاتية لتحقيق أي انتصار ونجاح يُضاف لفوز الرئيس بشار في الانتخابات الرئاسية الشكلية الأخيرة.

زر الذهاب إلى الأعلى