مقالات وكتاب

ليلى موسى تكتب: النهضة.. تساقط آخر أحجار الدومينو الإخواني

بعد اندلاع الانتفاضات الشعبية في عدة بلدان شرق أوسطية على حكامهم الديكتاتوريين المستبدين عقب 2011 م، وفي ظل افتقاد غالبيتها لمشاريع بديلة تلبي تطلعات شعوبها التي ثارت من أجلها، كانت فرصة سانحة للعديد من الحركات الإسلاموية بالوصول إلى سدة السلطة، وبشكل خاص الحركات الإخوانية الإسلاموية، والتي اكتسبت في البداية تعاطفاً شعبوياً لادعائها المظلومية التاريخية في عهد الحكومات السابقة.

وما أن وصلت هذه الحركات الاسلاموية إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع وبدعم ومباركة قوى دولية وإقليمية بخطابات شعبوية، حتى كشرت عن أنيابها وأظهرت حقيقتها للعيان وكشفت زيف خطاباتها الغوغائية.

تلك الحركات والقوى وداعميها كانوا على يقين بأن وصولهم إلى السلطة من خلال الشرعية الدستورية سيضمن لهم سيرورة الصعود في سلم السلطة إلى الأمام، وضمان البقاء بها، متربعين وماضون في تحقيق مشروعهم نحو العالمية عبر دعم حركات إخوانية دولية؛ أو تلك التي تتفق معهم ايديولوجياً في بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا.

ولكن وكما يقال دائماً للتاريخ كلمته، وأن من أوصل هؤلاء إلى كرسي السلطة هم من سينزلونهم ثانية، حينما تنتفي وظيفتهم. فكانت بعض الشعوب لما تمتلك من وعي وإرادة وإدراك مبكر لخطورة هذه الحركات على أمنهم القومي وأمن المنطقة، كانوا سباقين في تحجيمها ووضعها في نصابها الطبيعي.

فالشعب المصري وقواته المسلحة التي لم تخيب ظن شعبها للحظة وقفت إلى جانبه في المطالبة بحقوقه المشروعة، هذا الشعب العظيم والذي يعود له الفضل بإحداث أول انحسار وتراجع لهذه الحركة الإخوانية. وتجربتهم أعطت الكثير لبقية الشعوب والمجتمع الدولي لإدراك خطورة هذه الحركة ومنعها من اعتلاء كرسي السلطة في بعض الدول الأخرى كسوريا نموذجاً.

لتأتي تونس وبعد عشر سنوات من انطلاقة ثورتها –ثورة الياسمين- لتقول كلمتها بأن الثورة باقية؛ ومازالت مستمرة وأن ما شهدته تونس من أحداث وتطورات لم تكن تعبر عن جوهر وحقيقة قيم وثقافة المجتمع التونسي.

ما شهدته تونس من أحداث مؤخراً ربما يكون بداية لانفراج وإعادة ترتيب للأوراق للخروج من الأزمات التي عصفت بمعظم دول شرق الأوسط؛ لما تحمله من رمزية كونها كانت بداية انطلاق شرارة ثورات ربيع الشعوب.

هذه الثورات والتي استغلتها بعض القوى والجهات الدولية والإقليمية؛ وجعلت منها مطية لتحقيق مشاريعها التوسعية الاحتلالية سواء بشكل مباشر كما في بعض المناطق السورية، أو عبر أدواتها المحلية باعتلاء كرسي السلطة كما في مصر وتونس.

بإسقاط وتحجيم الإخوان بدأت العديد من المشاريع الإقليمية بالتلاشي شيء فشيئاً؛ أو على الأقل شكلت حجرة عثرة أمام تقدمها وانحسارها في مناطق محدودة جداً؛ وهي الأخرى ليس من المستبعد فشلها. ولربما نشهد في المستقبل تطورات وتغييرات تصيب تلك الدول أيضاً نتيجة التناقضات المتفاقمة التي تعانيها؛ جراء سياسات واستراتيجيات حكامها الداخلية والخارجية، وبشكل خاص مشروع أردوغان -العثمانية الجديدة- الذي يعتبر الأب الروحي لجماعة الإخوان الدولية.

لذا؛ وعلى اعتبار هذه الحركات والقوى الداعمة لها تعلم علم اليقين بأن العالم مقبل على تغييرات ورسم ملامح المنطقة لمئوية قادمة لن تتقاعس وتكتفي بالمشاهدة، بل ستعمل بكل ما بوسعها لتكون لها مكانة فيها. وهو مالم ولن تحصل عليها بالطرق الشرعية وعبر صناديق الاقتراع كالسابق. حيث كانت عشر سنوات كفيلة لمعرفة حقيقة هذه الحركات، وما تحمله من أفكار وطروحات عنصرية شوفينية وسوداوية لم تجلب لبلدانها ولجوارها سوى الفقر والدمار والتخلف والحروب والاستبداد والاستعباد والديكتاتورية.

وأن زمن الأنظمة الثيوقراطية ولى وعفى عليه الزمن، وأن المنطقة بحاجة إلى دماء وروح ومشاريع تعبر عن حقيقة مجتمعاتها وتواكب ركب التطورات.

وعلى هذا الأساس، ستسعى هذه الحركات وداعميها الإقليميين على إثارة الفوضى والقلاقل، وتغذية روح التطرف والإرهاب وضرب النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي، والقيم والثقافات الموجودة كحاضنة لها لضمان استمراريتهم وبقائهم.

واليوم مرة أخرى يؤكد الشعب التونسي بأنه جديراً بحياة كريمة وحرة وديمقراطية؛ وأن أي سلطة لا تعبر عن إرادة وتطلعات شعوبها سيكون مصيرها إلى الزوال، كما فعلها الشعب المصري مسبقاً.

بتساقط النهضة الذي يعتبر ركيزة أساسية من تنظيم الإخوان الدولي، فإن ذلك سيلقي بظلاله على تراجع وضعف أو على الأقل انكفاء حجم الجماعات والحركات الإخوانية في المنطقة. ولكن هذا لا يعني نهاية هذه الحركة؛ بل ستعمل على زيادة تمكين وتنمية أعضاءها، والعمل على شكل ذئاب منفردة تعمل على العبث بأمن وسلم المنطقة والعالم. لذا؛ يتطلب من الشعب والحكومات الديمقراطية والعلمانية والمجتمع الدولي تضافر الجهود لمكافحة واجتثاث هذه الحركة من جذورها، وهذا لن تتحقق إلا عبر نشر ثقافة التآخي والتعايش المشترك وقبول الأخر.

زر الذهاب إلى الأعلى