مقالات وكتاب

ليلى موسى تكتب: المقدمات الخاطئة لا تفضي لنتائج صحيحة

الميكافيلية “الغاية تبرر الوسيلة”، والتي تعني وفقًا لتعريف قاموس أوكسفورد توظيف المكر والخداع في رفع الكفاءة السياسية. ولكن عن أية كفاءة سياسية نتحدث عنها، والتي لم تجلب للبلاد والعباد سوى الدمار والتخلف والجهل والاستعمار والاستبداد والاستعباد.

فلسفة شرَّعنت جميع الوسائل والأدوات وحتى القذرة منها في سبيل الوصول إلى الغاية، ولكن أية غاية ولمصلحة من، وهل هذه الوسائل تتوافق مع طبيعة المجتمعات وتتخذ مصالحها.

كثيراً ما حققت هذه الأدوات والوسائل أهداف ومصالح آنية وضيقة، ولكنها تحولت مع مرور الزمن إلى آفة تنخر بجسد الشعوب والأمم وتنتشر كالنار في الهشيم حتى يصعب السيطرة عليها، واجتثاثها ويعزى السبب إلى معالجة المشكلة بخلق مشاكل أخرى، واستحداث ظواهر لا تعبر عن طبيعة المجتمعات، وغالباً ما تخدم مصالح سلطات أو نخبة صغيرة، وبشكل خاص عندما تفتقد هذه الأدوات والوسائل إلى المعايير الأخلاقية والإنسانية. 

فأخذ السلطات من مقولة الغاية تبرر الوسيلة، كمعيار في مواجهة أعداءها وذلك بتشريع كافة الوسائل لتحقيق غاياتها، ولكن غالباً ما وقعت هذه السلطات في مستنقعات وسائلها وأدواتها ولم تتمكن الخلاص منها. وبشكل خاص عندما يفتقد هذا المعيار كما أسلفنا إلى المبادئ الأخلاقية وغالباً ما تكون الضحية هي الشعوب ونهاية مأساوية لبعض القادة والسلطات.

هذا المعيار الذي أباح وبرر جميع الوسائل والأدوات، وكان أحد هذه الأدوات هو تنمية التطرف والإرهاب في وجه العدو أو الأخر المختلف أو لتحقيق مشاريع استعمارية احتلالية.

والتاريخ ملئ بالعديد من النماذج التي تثبت صحة ذلك، مثلاً في أفغانستان عندما عملت العديد من القوى الدولية والإقليمية على تنمية وتغذية التطرف والإرهاب حيال التمدد الشيوعي، وبالنتيجة كانت إنتاج القاعدة التي مازالت تهدد أمن واستقرار السلم الدوليين، وحولت أفغانستان إلى مستنقع اضطرت بعض هذه القوى إلى الخروج منها كالولايات المتحدة الأمريكية نموذجاً. وإبقاء الشعب الأفغاني أن يحيا وجهاً لوجه أمام آلة القتل والدمار وأسير ثقافة الإرهاب والكراهية والاستبداد والتطرف. خطورة هذا الإرهاب لم يتوقف على الشعب الأفغاني والقوى التي انتجتها فقط، إنما تم تصديره إلى مناطق أخرى. وثمة المزيد من الشعوب وقعت أسيرة هذا الإرهاب مثل العراق. بل وأكثر من ذلك أنتجت تنظيمات أكثر تطرفاً وإرهاباً، تلامذة بن لادن الذين أنتجوا وأسسوا داعش الذي يعتبر أعتى تنظيم إرهابي عرفته البشرية.

والأنكى من ذلك عندما يجابه التطرف بالتطرف وهذا ما شاهدناه في العراق، التطرف الإسلامي الشيعي في مواجهة التطرف الإسلامي السني، والنتيجة بعد أربعة عشرة سنة من إسقاط النظام المركزي الاستبدادي كان عراق مدمر ومتخلف يعاني من أزمات بنيوية معقدة يصعب حلها ولملمة جراحه.

وكثيرة هي الأنظمة والسلطات التي غالبًا ما تتصيد في المياه العكرة. لكن لابد أن يكون لها النصيب من قاذورة وأوبئة ذلك المستنقع. فالنظام السوري الذي شجّع ودفع بالآلاف من الجهاديين المتطرفين إلى العراق 2003م، وبعد عودتهم لسوريا مدججين وحاملين معهم فكر إرهابي ظلامي تكفيري. مع ذلك سعى النظام إلى استغلال هؤلاء حتى أخر رمق، وبشكل خاص عندما عمل على تفريغ الحراك الثوري السوري 2011م من مضمونه من مطلب شعبي مطالبًا بالحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وتحسين الأوضاع المعيشية إلى عنف مسلح وعسكرة الثورة. وبالفعل حقق النظام مبتغاه من ذلك حيث باتت تعرف دولياً بالأزمة السورية أو بالحرب الأهلية.

ولكن بالمقابل تحولت هذه الجموع المتطرفة إلى خنجر في خاصرة النظام رغم الدعم الإيراني والروسي واستخدام جميع الوسائل والأدوات العسكرية لم يتمكن من اجتثاثه بل عملوا على أفغنة سوريا.

من ناحية أخرى كون هذا الفكر له بعد أيديولوجي، فأنه من الخطأ معالجته عن طريق العسكرة وستظل موجودة مالم تعالج الأسباب التي أوجدتها. ولكن ما يؤسف عليه هو تغذية هذه الأسباب بشكل دوري على يد السلطات والأنظمة الاستعمارية الاحتلالية، وهذا ما شاهدناه جميعاً خلال ما سمي بـ “الربيع العربي”، عندما سارع أردوغان معبراً عن نفسه كخليفة المسلمين والأب الروحي لحركة الإخوان المسلمين العالمية وأخواتها من القاعدة وداعش وجبهة النصرة. حيث وجد أردوغان وحزبه وحكومته ضالته في الفوضى التي خلفها هذا الربيع لتحقيق مآربه ومشاريعه (المشروع المللي، إحياء السلطنة العثمانية)، وبالفعل تمكن عبر خطابه الغوغائي خداع الشعوب واستغلال جهلهم بالتاريخ والجغرافيا.

ومنذ الأيام الأولى من انطلاقة الحراك الثوري السوري، سارع أردوغان إلى فتح مخيمات على حدوده الجنوبية لاستقبال الجهاديين من جميع أصقاع العالم وتدريبهم ودعمهم عسكرياً ومالياً ولوجستياً وترك حدوده مفتوحة على مصرعيه أمام هؤلاء الجهاديين. وبالفعل تمكن هؤلاء الجهاديين المتطرفين بدعم تركي وقطري وقوى إقليمية ودولية أخرى من السيطرة على ما يقارب من 70% من إجمالي الجغرافية السورية، وكانت الذروة بإعلان دولة الخلافة في بلاد الشام والعراق (داعش) وعندما بات تواجد داعش لا يقتصر جغرافياً على هذه المنطقة فقط إنما شهدت معظم الدول عمليات إرهابية من قبل هذا التنظيم الذي بات تنظيماً عالمياً ويهدد السلم والأمن لدوليين سارع التحالف الدولي بمساعدة القوات المحلية و (قوات سوريا الديمقراطية، والبيشمركة والجيش العراقي والحشد والكريلا ووحدات حماية شنكال) بالقضاء على هذا التنظيم جغرافياً وميدانياً.

ولكن الدولة التركية بالرغم من كونها ثاني أكبر جيش في التحالف، رفضت المشاركة في محاربة هذا التنظيم، بل على العكس وبعد انهيار دولة الخلافة استغلت عناصر بقايا هذا التنظيم وتحت مسميات مختلفة، واستخدمتهم في استكمال مشاريعها وفي حروبها الخارجية، سواء أكان في إدلب السورية والمتاجرة بهم مع الروس أو في ليبيا أو أرمينيا وربما سنشاهدهم في أحداث فلسطين.

والاستفادة منهم في نشر الإسلام بطابعه السياسي المتطرف بين الشعوب غير التركية الخاضعة لاحتلالها لإبعادهم عن قضيتهم القومية والوطنية وبشكل خاص في المناطق الكردية في شمالي كردستان واستخدام الإرهابيين والمرتزقة لضرب أي حركة كردية تناهض الدولة التركية في سبيل الحصول على حقوقها القومية والوطنية المشروعة.

ولكن وبعد عقد من الزمن من رعاية الإرهاب على الأراضي التركية هل يستطيع أردوغان التخلي عن هذه الجماعات المتطرفة، وماهي المصير المنتظر لهذه الجماعات؟ للإجابة على هذا السؤال يمكن إدراج عدة سيناريوهات وهي كالتالي:

  • ففي حال أراد أردوغان التخلي عن هذه الجماعات بعد انتهاء صلاحياتهم، أو المتاجرة بهم عبر صفقة مع جهة أو قوى أخرى، أو التضحية بهم لإعادة ترميم علاقاته مع الدول الأخرى، مصر مؤخراً، ربما ستكون نهاية مأساوية بانتظار أردوغان. خاصة أن هذه الجماعات المتطرفة لا تحظى بأي حاضنة اجتماعية ومنبوذة دولياً. هذه الجماعات ليس لديها ما تخسره لذلك ستحشد كل قواها لمحاربة داعميها ولينقلب السحر على الساحر، وتجربة أفغانستان معروفة للجميع مثلما دعمت القوى الغربية التطرف في مواجهة الشيوعية كيف انقلبت هذه الجماعات على القوى الغربية (صديق اليوم عدو الغد).
  • كون أردوغان خسر العديد من قيادات حزبه وقاعدته الشعبية، وازياد معارضيه نتيجة سياساته الخارجية والداخلية. عمل على تجنيس بعض عناصر هذه الجماعات للاستفادة من أصواتهم في الانتخابات. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل سيقف الشعب التركي وأحزابه المعارضة مكتوفي الأيدي أمام ذلك؟ غالباً لن يقبلوا وخاصة الأحزاب القومية العنصرية، والأحزاب العلمانية واليسارية. حيث أن غالبية الشعوب التركية المفتحة على دراية أنه في حال سمح لهم بالتصويت سيكون في المستقبل الحق في الترشح أيضاً، وبالتالي الوصول إلى السلطة وفرض ايديولوجية تتعارض مع فكر وثقافة غالبية الشعوب التركية، والتي كانت تصر لفترة زمنية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والتي توقفت لمسائل تتعلق بحقوق الإنسان، حينها ستتطور إلى مسائل تتعلق بالإرهاب والتطرف.
  • ربما سنشهد انتفاضات شعبية في تركيا نتيجة سياسات السلطة الحاكمة الشوفينية المستبدة، هنا تكون فرصة لبعض القوى والدول لاستغلال هذه الجماعات لتصفية حساباتها مع أردوغان وربما سنشاهد أفغنة تركيا (أفغانستان جديدة).

لذلك وحتى يتم يعم السلام والأمان ويحقق الاستقرار ويحفظ الأمن والسلم الدوليين لابد أولاً من إعادة النظر في المفاهيم والمصطلحات والفلسفات والنظريات التي شرعت ظهور واستحداث هذه الظواهر. ومن جهة أخرى البحث عن جذور المشاكل وحلها بالوسائل العلمية والأخلاقية والإنسانية، والأهم من كل ذلك تكاتف الشعوب والمجتمعات لمحاربة هذه الايديولوجيا القائمة على الكراهية والتطرف ورفض الأخر بنشر ثقافة أخوة الشعوب والتعايش المشترك. وإلا سنبقى في دوامة تدويل الإرهاب والتطرف من قبل القوى السلطوية ويكون الشعب دائماً أبداً هو الضحية.

الكاتبة – ليلى موسى ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية بالقاهرة

زر الذهاب إلى الأعلى