فنون و ثقافة

للتراث حراس متحف المنيل.. حكاية حفيد حفظ التاريخ

“إن الفن سيظل دوماً وسيلة هامة لتشكيل وعي الإنسان بالقضايا المهمة والكبرى، سواء المتعلقة بالإنسانية أو الوطن”.

قد يندهش البعض أن تكون هذه الكلمات لشخصية أفنت حياتها في مجال الطب والرعاية الصحية وتقلدت الكثير من المناصب للنهوض بهذا القطاع والوصول إلى مجتمع ينعم بخدمات صحية جيدة.

وهناك مقولة تاريخية اتفق عليها ممن يلقبونهم بالأطباء الأدباء عندما قالوا: إذا كان الطبّ علم والمعمار والتراث فنّ، فالاثنان ميدانهما واحد وهو الإنسان، الطب يبرئ البدن والفن يبرئ الروح، وفي نهاية المطاف الاثنان يرتبطان بصلة وظيفية ونفسية واحدة، يصنعان معاً حالة العافية المثلى المبتغاة.

مفهوم الصحة وفقًا لتعريف منظمة الصحة العالمية هي حالة من اكتمال السلامة البدنيّة والعقلية والاجتماعية وليست مجرد غياب المرض وانعدام العجز.. وهذا ما تؤمن به الدكتورة مؤمنة كامل عبر مؤسسة مؤمنة كامل للتدريب وتنمية المهارات التي أسستها وتتولى رئاستها.

والذين اقتربوا من الدكتورة مؤمنة كامل، رئيس مجلس إدارة معامل المختبر ورئيس مجلس أمناء مؤسسة مؤمنة كامل، يعلمون جيداً مدى قناعتها بهذه المقولات والمفاهيم.

ولأن كل عاشق لوطنه، قلبه ينفطر حزناً مع عدم اهتمامٍ بكل أثر تاريخي أو العبث في ملامحه ومكوناته الأصلية، فإن مؤسسة مؤمنة كامل لم تتردد لحظة في الاستجابة لنداء جمعية أصدقاء متحف قصر المنيل، والمشاركة في دعم ورعاية مسار تطوير وأعمال ترميم متحف قصر الأمير محمد علي توفيق، من أجل الحفاظ على آثار هذا الوطن وهويته وتراثه ودعم المكتسبات الثقافية التي تمثل أهم عناصر الاستدامة ودعم الاقتصاد القائم على المعرفة.

كانت مؤمنة كامل اسماً على مسمى فعلاً، فهي تؤمن بما تقوله من أراء عن الفن وتطبقه واقعاً على الأرض؛ فتصدرت قائمة المتطوعين والرعاة لأعمال الترميم التي قامت بها مؤخراً وحديثاً وزارة الآثار بهذا المتحف الذي يحتوي على أكثر من 15 حجرة، ليصل إلى المعايير العالمية للمتاحف ويكتب التاريخ يوماً عن الدور المجتمعي التطوعي الذي لعبته المؤسسات والشركات المصرية في الحفاظ على هويتنا الفريدة.

“وهنا لابد لنا من وقفة لتصحيح معلومة طالما اختلطت تفاصيلها على أذهان الكثيرين، كلما تصادف وذكر اسم هذا المتحف. وهو الخلط بين الجد الأكبر محمد علي الكبير مؤسس الأسرة العلوية المالكة ومؤسس الدولة الحديثة لمصر لوضعها فى مكانة الدول الكبرى في العالم والذي حكم مصر لمدة 43 عاماً بعقلية أوربية، وبين الحفيد الأمير محمد علي توفيق أحد أفراد هذه الأسرة العلوية ومؤسس متحف قصر المنيل”.

وقد بنى الأمير محد علي توفيق لنفسه قصراً وهو قصر المنيل وبه قاعة، أطلق عليها اسم “قاعة العرش” ربما انتظاراً للفرصة التي يستطيع فيها اعتلاء عرش مصر وأوصى بتحويل قصره هذا إلى متحف يخلد اسمه بعد وفاته وهو ما حدث.

كان الأمير محباً للسفر عاشقا للمقتنيات، فقد قام بعدة رحلات حول العالم طاوياً القارات أكثر من مرة، وقام بتدوين تفاصيل هذه الرحلات في كتب كثيرة تعد تسجيلاً فريداً للأوضاع التي كانت عليها بقاع كثيرة من العالم في أوائل القرن العشرين، لذلك لم يكن غريباً أن يترأس الأمير عباس حلمي ابن شقيق الأمير محمد علي توفيق جمعية أصدقاء متحف قصر المنيل وهي جمعية اهلية غير حكومية ويستجيب لنداءاتها عشاق حفظ وحماية التراث والآثار من أهل مصر.

ويعد متحف قصر المنيل من أجمل وأهم المتاحف التاريخية؛ فهو يعبر عن فترة مهمة من تاريخ مصر الحديث ويعكس صورة حية لما كانت عليه حياة أمراء الأسرة الملكية السابقة ويصورها بعناية فائقة. وهذا المتحف ينفرد عن باقي متاحف القصور التاريخية بتصميمه المعماري الرائع فقد بني على طراز إسلامي حديث مقتبس من المدارس الإسلامية الفاطمية والمملوكية. وشاعت فيه أيضاً الروح الفارسية والسورية والمغربية، كما بدت في زخرفة مبانيه روح الطراز العثماني قصر المنيل.

وبما أن الشيء بالشيء يذكر.. أو حيث أن الفنون هي ما تعكس شخصيتنا وتخلدها عميقاً في ذاكرة وتاريخ البشرية.. لم تكن استجابة مؤسسة مؤمنة كامل لنداء أصدقاء متحف المنيل، هي الأولى في السعي للمساهمة في الحفاظ على الآثار والتراث، فقد سبقت الجميع عندما أكدت أن الحفاظ على الآثار والتراث لايجب أن يتوقف عند أهمية الحجر فقط، بل يجب أن يمتد إلى إعلاء تخليد الإنسان المبدع أيضاً ومايقدمه في هذا المضمار، فكان إنتاجها للفيلم الوثائقي “رقصة لا تنسى” عن حياة رئيس دار الأوبرا وراقص الباليه العالمي الشهير الفنان عبد المنعم كامل الذي رحل عن عالمنا عام 2013.

وبالقطع لا يمكن لأحد تجاهل ما قدمته هذه المؤسسة وتقدمه من أدوار اجتماعية صحية وخدمية تنموية في مجالات عدة، بدءاً من القوافل العلاجية لخدمة المناطق الفقيرة والعشوائيات، مدعومة بجميع التجهيزات الطبية لخدمة ذوي القدرات الخاصة إلى مساعدات بتقديم مستلزمات طبية لا تنقطع لمستشفى قصر العيني، ومساعدات لمستشفيات ومراكز طبية أخرى وأدوية لوحدة مرضى الباطنة، وذلك من خلال شراكتها المجتمعية مع معامل المختبر.

فلتطمئن كل قلوب المصريين بأن تراث بلادنا، ومع مثل هذا الاهتمام – الذي لم يكن مجرد صدفة أو لحظة انفعال عارضة – وهذه المساهمات التطوعية أبداً لن يضيع، وكم يتطلع أهل مصر للحدث القادم مع بداية العام الجديد للاحتفال بما تم إنجازه من أعمال إنقاذٍ لهذا التراث العظيم.

زر الذهاب إلى الأعلى