مقالات وكتاب

ربى رمضان تكتب: خريف غضب الرأسمالية

“لغز الرأسمالية على جمع الضرائب” للدولة الجائعة !!

هل انهيار الرأسمالية ممكن أم إنها انتصرت ورسمت نهاية التاريخ؟

يعيش العالم اليوم رعباً من وباء الكورونا، فيما يعيش الساسة حالة هلع من تداعياتها السياسية والاقتصادية، ما دفع العديدين من مناوئي الرأسمالية للاستبشار بنهايتها وبانهيار أنظمتها، التي أطلقت غرائز الناس وأطماعَهم لإشباع جوعهم وتلبية احتياجاتهم بشكل أناني.

فاستمرار الرأسمالية في التحكم بالبشرية يعني في نهاية المطاف ، القضاء على الجانب الإنساني بالبشر، وهذا يأباه الإنسان بفطرته التي يمكن أن ينحرف عنها جزئيا ومؤقتاً، لكنه لا يمكن أن ينحرف عنها بشكل كلي ومستمر للأبد، وإلا حكم على نفسه بالفناء كإنسان. لكن السؤال الأهم هو كيفية إسقاط الرأسمالية وماهية البديل المؤهل لذلك؟

فالرأسمالية تمر بأزمة ..

فإن اللحظة التى تحقق فيها أكبر انتصار للرأسمالية هى لحظة أزمتها. فقد أنهى سقوط سور برلين ما يزيد على قرن من المنافسة السياسية بين الرأسمالية والشيوعية. وبرزت الرأسمالية وحدها باعتبارها الطريق العملى الوحيد لتنظيم اقتصاد حديث على نحو رشيد. وفى هذه اللحظة من التاريخ، لم يكن هناك خيار لأى دولة مسؤولة، ونتيجة لذلك، وبدرجات متباينة من الحماس، حققت بلدان العالم الثالث، والبلدان الشيوعية السابقة توازن ميزانياتها، وخفضت الدعم، ورحبت بالاستثمار الأجنبى، وقللت حواجزها الجمركية.

وكانت ثمرة جهودها خيبة أمل مريرة. فمن روسيا إلى فنزويلا، كان نصف العقد الماضى زمنا للمعاناة الاقتصادية، والدخول المنهارة، والقلق، والسخط؛ زمنا ” من الموت جوعا وأعمال الشغب والسلب “، على حد تعبير الكلمات القارصة لمحاضر محمد رئيس وزراء ماليزيا. وقد ذكرت ” النيويورك تايمز ” فى افتتاحية أخيرة لها أنه ” فى كثير من أنحاء العالم، تم فرض قيام السوق الذى مجده الغرب فى زهو الانتصار فى الحرب الباردة، مع ما صحب ذلك من قسوة الأسواق، وحذر من الرأسمالية، ومخاطر عدم الاستقرار “. إن انتصار الرأسمالية فى الغرب وحده يمكن اعتباره طريقا لوقوع كارثة اقتصادية وسياسية.

فهل ستمضي الرأسمالية قدمًا كما فعلت خلال قرنين ونصف القرن تاركة النماذج المنافسة خلفها، أم أن الأزمة هذه المرَّة أكثر حدَّة؟

فتوجيه الغضب الشعبي بشأن عدم المساواة واستغلاله لتحقيق غاياتهم الخاصة ، من خلال أكل الدولة، وتأكل الرأسمالية نفسها لقرون عدة، اعتمدت الأسواق على الدول القوية لضمان الأمن، وتوحيد معايرة التدابير والعملات، وبناء وصيانة البنية التحتية، ومحاسبة الجهات الفاعلة السيئة التي تكسب ثروتها من خلال استغلال الآخرين بطريقة أو بأخرى.

أصبحت الرأسمالية وحدها الوسيلة المتبقية للإنتاج. يصف كثيرون النظام الحالي بأنه «الرأسمالية المتأخرة»، وكأنه على وشك الانتهاء، بينما يرى آخرون أن الرأسمالية تواجه تهديدًا جديدًا من الاشتراكية؛ لكن الحقيقة أن الرأسمالية موجودة دون منافس، فمجتمعات العالم احتضنت الروح التنافسية والربحية في الرأسمالية، التي بدونهما تنخفض الدخول ويزيد الفقر ويتباطأ الابتكار التكنولوجي. إذن، المعركة الحقيقية هي داخل الرأسمالية، بين نموذجين يتصارعان من أجل التفوق: معسكر جدارة ليبرالي، تقوده الديمقراطيات الصناعية المتقدمة، ومعسكر سياسي بقيادة الدولة، تتزعمه الصين. كلاهما لديه مشكلات كبيرة تلوح بالأفق .

فأي النماذج أفضل؟

ومتى ينتهي الفقر؟

وكيف يصبح الأغنى أكثر ثراء ؟؟

رغم تزايد عدم المساواة بالبلدان الغنية، كانت العقود القليلة الماضية جيدة لفقراء العالم. بين عامي 1980 و2016، تضاعف متوسط دخل النصف الأدنى من أصحاب الدخول، وانخفض المصنَّفون في «فقر مدقع» (أقل من 1.9 دولار – يوم) بأكثر من النصف منذ عام 1990، من نحو ملياري إلى نحو 700 مليون نسمة خاصة بالصين والهند. لم يسبق بتاريخ البشرية خروج الكثير من الناس من الفقر بهذه السرعة. لكن الآن، تباطأ النمو بالصين والهند، فهل يستطيعان تجنب الركود؟ وهل يقدمان نموذجًا جيدًا يمكن لدول أخرى تقليده، وينتشل ملايين البشر من براثن الفقر؟

قضى الاقتصاديون، بمن فيهم نحن، مهنتهم بأكملها متخصصين بدراسة التنمية والفقر، والحقيقة غير المربحة هي أن هذا التخصص لا يزال ليس لديه فكرة جيدة عن سبب توسع بعض الاقتصاديات؛ والنتيجة أنه بدلاً من البحث عن نظريات كبرى، يجب على الحكومات التركيز على التدخلات المباشرة للمساعدة في تحسين حياة الناس .

أفضل طريقة لتدخل الحكومة هي بزيادة الضرائب مع زيادة الدخل، يصر العديد من صناع السياسة، والاقتصاديون، وأقطاب الشركات، وعمالقة التمويل على أن الضرائب تتعارض مع النمو. ويزعم معارضو زيادة الضرائب أن الشركات ستعيد استثمار المزيد من أرباحها عندما تحصل الحكومة على أموال أقل. ومن وجهة النظر هذه، فإن استثمار الشركات هو محرك النمو: فالتوسع في الأعمال التجارية يخلق الوظائف ويزيد الأجور، بما يعود بالنفع النهائي على العمال. ومع ذلك لا يوجد، في العالم الواقعي، ارتباط ملحوظ بين ضريبة رأس المال وتراكم رأس المال. في الفترة من العام 1913 إلى العام 1980، تقلبت معدلات الادخار والاستثمار في الولايات المتحدة، لكنها ظلت تحوم في العادة حول 10 في المائة من الدخل القومي. وبعد التخفيضات الضريبية في الثمانينيات، في عهد إدارة ريغان، انهارت ضريبة رأس المال، لكن معدلات الادخار والاستثمار انخفضت أيضا.

يوضح التخفيض الضريبي للعام 2017 هذه الدينامية. فبدلاً من زيادة الأجور السنوية بمقدار 4.000 دولار لكل أسرة، وتشجيع استثمارات الشركات، ودفع موجة من النمو الاقتصادي المطرد، كما وعد أنصاره بأن يفعل، أدى التخفيض إلى زيادات طفيفة جداً في الأجور، ونحو نصف عام من تزايد النمو، وبدلاً من الاستثمار حدثت طفرة بقيمة 1 تريليون دولار في عمليات إعادة شراء الأسهم، والتي أنتجت فقط حظاً سعيداً غير مرتقب للمساهمين الأثرياء مسبقاً في الجزء العلوي من هرم الدخل. وبطبيعة الحال، يدفع الجمهور ثمن ذلك الحظ السعيد، فالولايات المتحدة تختبرأول عجز لها بقيمة 1 تريليون دولار.

ترتب على خفض الضرائب على رأس المال نتيجة رئيسية واحدة: أن الأغنياء، الذين يستمدون معظم دخلهم من رأس المال الحالي، يحصلون على المزيد من الثروة. وفي الولايات المتحدة، انفجرت حصة الثروة التي يملكها المنتمون إلى شريحة أغنى واحد في المائة من السكان البالغين، صاعدة من 22 في المائة في أواخر السبعينيات إلى 37 في المائة في العام 2018.

 وعلى النقيض من ذلك، خلال الفترة نفسها، انخفضت حصة الـ90 في المائة الأدنى من البالغين من الثروة، هابطة من 40 في المائة إلى 27 في المائة. ومنذ العام 1980، ذهب ما خسره الـ90 في المائة من القاع إلى أرباح الواحد في المائة في الأعلى.

فهذا التفاوت المتصاعد في الدخل أمر سيئ للاقتصاد ، كبداية يؤدي عدم المساواة إلى إضعاف الطلب والأغنياء لا يميلون إلى توجيه مكاسبهم الجديدة من الدخل إلى شراء السلع والخدمات من بقية الاقتصاد؛ وبدلاً من ذلك، فإنهم يكدسون ثرواتهم في الملاذات الضريبية في الخارج أو في قطع الفن باهظة الثمن التي يضعونها في مخازنهم. ويتباطأ النمو الاقتصادي لأنه يتم إنفاق أموال أقل بشكل عام في الاقتصاد. في غضون ذلك، ينتقل عدم المساواة من جيل إلى آخر،

لا يمكن لشيء أقل من نظام جريء جديد للضرائب المحلية والدولية أن ينقذ الديمقراطيات والاقتصادات الغنية من التشوهات والمخاطر الناجمة عن عدم المساواة المتفشية ، فيجب أن تكون الأولوية الأولى لقطاع الأعمال هي إنشاء نظام مالي يولد الإيرادات الضريبية المطلوبة لاقتصاد يعمل في القرن الحادي والعشرين -وهو مبلغ سيحتاج إلى أن يكون أعلى حتى من تلك المقادير التي كانت موجودة في منتصف القرن العشرين، التي كانت فترة أسرع نمو اقتصادي في الولايات المتحدة والتي تم فيها تقاسم الرخاء بصورة أكثر توازناً وعدالة. وفي اقتصاد اليوم الابتكاري، سوف تحتاج الحكومات إلى إنفاق المزيد على البحث والتعليم الأساسيين (ربما كانت فترة 12 عاما من التعليم المدرسي كافية في العام 1950، وإنما ليس اليوم). في المجتمع المتحضر اليوم، تحتاج الحكومات إلى إنفاق المزيد على البنية التحتية الحضرية المكلِفة. وفي اقتصاد الخدمات الراهن، تحتاج الحكومات إلى إنفاق المزيد على الرعاية الصحية ورعاية المسنين، وهي المجالات التي لعبت فيها الدولة بشكل طبيعي دوراً رئيسياً. وفي اقتصاد اليوم الديناميكي والمتغير باستمرار، سيتعين على الحكومات أن تنفق المزيد لمساعدة الأفراد على التعامل بشكل أفضل مع الاختلالات والاضطرابات الحتمية التي ينجبها التحول الاقتصادي. كما ستتطلب معالجة المشكلة الوجودية التي يشكلها التغير المناخي وضع مقادير كبيرة من الاستثمار في البنية التحتية الخضراء .

ولحظة إلغاء الأحكام الخاصة التي تعفي الأرباح الموزعة، والمكاسب الرأسمالية، والفوائد المنقولة، والعقارات وغيرها من أشكال الثروة من الضرائب. واليوم، عندما يتم نقل الأصول من جيل إلى آخر، فإن الأرباح الرأسمالية الأساسية تتهرب من دفع الضرائب بالكامل؛ ونتيجة لذلك، يتمكن العديد من الأفراد الأثرياء من تجنب دفع ضرائب الأرباح الرأسمالية على أصولهم. ويبدو الأمر كما لو أن قانون الضرائب قد صُمم لخلق بلوتوقراطية موروثة، وليس لخلق عالم مع تكافؤ للفرص.

ومن دون زيادة معدلات الضرائب، فإن إلغاء هذه الأحكام الخاصة المخصصة لأصحاب رأس المال -بطريقة تجعلهم يدفعون نفس المعدل الذي يدفعه العمال- سوف يولد تريليونات من الدولارات على مدى الأعوام العشرة المقبلة .

فالحد من التهرب من ضرائب الدخل والثروة، سيتعين على الدول أن تتعاون أكثر مع بعضها البعض. فبدلاً من السماح للأفراد الأثرياء والشركات الغنية بإخفاء أصولهم من خلال صناديق ائتمان خارجية مدروسة ووسائل قانونية أخرى، يجب على الدول إنشاء سجل ثروات عالمي، والذي يسجل المالكين النهائيين لجميع الأصول. ويمكن أن تبدأ الولايات المتحدة بالاعتماد على المعلومات الشاملة الموجودة بالفعل داخل المؤسسات المالية الخاصة، مثل شركة الودائع الاستئمانية. ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يفعل الشيء نفسه بسهولة، ويمكن في نهاية المطاف دمج هذه السجلات .

فيتعين على الحكومات أيضاً فرض ضرائب على الشركات الفرعية العاملة في ولاياتها القضائية على دخلها العالمي وعدم السماح لها بتحويل الأموال إلى الولايات القضائية منخفضة الضرائب من خلال استخدام الشركات التابعة أو غيرها من الوسائل.

تشير مؤشرات أخرى إلى أن حوالي 30% من الشركات الغربية، بما في ذلك شركات أمريكية، هي شركات مفلسة فعليا، ولكنها تعيش على “جهاز التنفس الاصطناعي”، بمساعدة قروض ميسّرة لأبعد حد، والتي يمكن الحصول عليها إلى ما لا نهاية، حتى لحظة انهيار النظام الاقتصادي بأكمله.

فشركة “تسلا”، على سبيل المثال، تعاني من خسارة مزمنة، لكنها لا تشهر إفلاسها بسبب القروض الميسرة، أو شركة “آبل”، العملاق الاقتصادي، التي تزداد ديونها باستمرار ، على الرغم من وضعها الاقتصادي المستقر .

فعلى المستوى الدولي، يتعين على صانعي السياسات أن يجدوا الطريقة الصحيحة للتعاون، التي ستنتج أفضل وأقوى تطبيق لتحصيل الضرائب. وقد يتطلب أحد الخيارات من أكبر الاقتصادات المتقدمة (الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية) أن تتحرك أولاً، فتطالب الشركات التي تتاجر في أسواقها باتباع القواعد الجديدة، وتستخدم الضغط الدبلوماسي لحمل الدول الأخرى على اعتماد نظام مماثل (الأمر الذي سيفيدها هي نفسها من خلال تحصيل إيرادات ضريبية لا يمكنها أن تستفيد منها الآن).

فبدلاً من نموذج يحد من قدرة الدول ذات السيادة على حماية نفسها من هروب رأس المال والتهرب الضريبي، يمكن للحكومات بناء نموذج للتجارة يدعم العدالة الضريبية .

فالمؤشرات السابقة خاصة فيما يتعلق بوضع القطاع الخاص والتمركّز في الوعاء الضريبي وحجم الثقل لكل شركة، يعطي دلالة واضحة على التشوّه الحاصل في الهيكل الضريبيّ وتوزيعاته، فالقلة القليلة هي التي تدفع الكثير مقابل ان الكثير لا يدفع سوى القليل، ولعل السبب الرئيس في ذلك قد يكون عمليات التهرب الضريبي التي كانت سائدة في العقود الماضية والتي للأسف كانت تتم بتواطؤ بين عاملين في الضريبة وتدقيق حسابات وأصحاب العمل الذين شرعوا لأنفسهم المخالفات والتهرّب الضريبيّ على مدى سنوات طويلة .

ففي الولايات المتحدة، يمكن تحقيق معظم هذه الإصلاحات ضمن القيود والمحددات الموجودة في الدستور الأميركي. وهناك جدل يدور حول ضريبة الثروة، والتي ادعى المحافظون أنها ستصطدم بالقيود الدستورية المفروضة على الضرائب المباشرة؛ ويتحدى العديد من المؤرخين وعلماء القانون هذا الاعتراض المحافظ. كما قد يزعم بعض النقاد أيضاً أن هذه المقترحات متطرفة للغاية؛ حيث يزعمون أنها ستثبط الاستثمار، وتؤذي الاقتصاد وتبطئ النمو. لا شيء يمكن أن يكون أبعد عن الحقيقة من ذلك. في واقع الأمر، إن الشيء المتطرف حقاً هو تلك التجربة على الضرائب التي بدأت خلال عهد ريغان، عندما بدأت معدلات الضرائب على الأثرياء والشركات بالهبوط بحد ، وكانت النتائج واضحة: النمو البطيء؛ والعجز الشديد؛ واللامساواة غير المسبوقة.

الكاتبة: ربى رمضان – الباحثة في مجال العلوم المالية والمصرفية

زر الذهاب إلى الأعلى