مقالات وكتاب

د. وحيد عبدالمجيد يكتب: كيف تتغيرُ الخرائط؟

عندما اندلعت الثورةُ الفرنسيةُ 1789 بدأ نموذجُ جديدُ فى التبلور قوامه الجمهورية، حين كانت الملكيةُ سائدةً فى العالم، ومبادئ الحرية وقبول الآخر (الإخاء) والمساواة. وفى الوقت الذى خشيت الدول الكبرى فى أوروبا تأثير هذا النموذج الذى كان قابلاً للانتشار حال نجاحه فى فرنسا، ضرب نابليون بونابرت به عرض الحائط، وقرر السعى إلى تغيير خريطة أوروبا بالقوة كما كان الحال عبر التاريخ.

 

وقد حدث التغييرُ فعلاً، ولكن فى عكس الاتجاه الذى أراده، لأنه تلقى فى نهاية حروبه هزيمةً قاسيةً كرَّست الوضع الذى كان قائمًا، مع وضع قواعد لتنظيمه فى مؤتمر فيينا 1814-1815. وصارت الحروبُ النابليونيةُ أول شاهد على أن محاولات تغيير الخرائط بالقوة تؤدى إلى عكس مبتغى من يُقدمون عليها.

 

وبعد قرنٍ تقريبًا، حاولت ألمانيا تغيير خريطة أوروبا بالقوة مرةً أخرى، إذ هى التى أعلنت فى 1 أغسطس 1914 الحربَ التى عُرفت بالعالمية الأولى، بعد سلسلةٍ من الاحتكاكات أعقبت اغتيال ولى عهد النمسا فى 28 يونيو.

 

وتوسعت الحربُ بسرعة بين التكتلين الرئيسيين فى أوروبا حينذاك، ولكنها انتهت بفشل ألمانيا بينما أخفقت فيه فرنسا من قبل، والإطاحة بالإمبراطور فيلهلم الثانى ورئيس وزرائه (المستشار) مثلما حدث لنابليون الأول. وحدث التغييرُ فى مؤتمر فرساى 1919 على حساب ألمانيا.

 

ومع ذلك لم يتعظ هتلر الذى أعاد الكرة عبر تفجير الحرب الثانية 1939 سعيًا إلى الانتقام، وإعادة رسم خرائط القارة. ولهذا لم تختلف النتيجةُ، إذ هُزمت ألمانيا فى النهاية بعد ما انتصرت فى البداية، وقُسمت أوروبا وتراجع وزنُها فى نظام عالمىٍ تصدرته أمريكا والاتحاد السوفيتى. وبرغم حدة الصراع بينهما، لم يحاول أىُ منهما حسمه بالقوة، بل خاضا مباراةً شهدت انعطافاتٍ شتى فيما عُرف بالحرب الباردة التى انتهت بفوز من استطاع تقديم نموذجٍ أكثر تأثيرًا، وليس سلاحًا أشد قوة.

 

ولهذا كان درسُ تحولات العلاقات الدولية فى القرنين الماضيين أن من يستخدمُ القوة العسكرية لتغيير الخرائط فى اتجاهٍ معين يُحققُ ما يبدو نصرًا فى المدى القصير، قبل أن ينتهى الأمرُ إلى هزيمة، ومن ثم تغيير ولكن فى الاتجاه العكسى.

زر الذهاب إلى الأعلى