مقالات وكتاب

د. مصطفى الفقى يكتب: العرب والصراع الدولى

لم تعد الصراعات الإقليمية ولا الحروب الدولية ذات تأثير موضعى فقط بل يمتد تأثيرها إلى كل مكانٍ فى عالمنا المعاصر، وقد ساعد على ذلك تنامى وسائل الاتصال والتقدم التكنولوجى الهائل فى أجهزة الإعلام حتى أصبحت الحروب تسمى بالحروب التليفزيونية حتى تصل للمشاهد فى كل مكانٍ من العالم لقطاتٌ حية لجرائم الحروب والصراعات التى تجرى على أرض المعارك، بحيث أصبحنا بحق أمام عالمٍ مختلف وهو العالم الذى شهدناه فى الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ورغم أن مسار الحرب الروسية الأوكرانية يذكرنا بشيءٍ من بدايات الحرب العالمية الثانية والقرارات المفاجئة فيها ودرجة العناد المتبادل بين القادة إلا أن ذلك كله لا ينفى أن تلك الحرب قد شدت انتباه المواطن العادى فى كل الدول على نحوٍ غير مسبوق، خصوصًا وأن وباء كورونا قد عودنا على الاصطفاف أمام الأحداث العالمية، ولنا هنا أن نسجل بعض الظواهر الجديدة فى الحرب الأوروبية الحالية:

أولاً: إن شخصية روسيا التاريخية لم تتغيّر والأدوار لم تبتعد كثيرًا، إذ أن روسيا ترى نفسها مختلفة عن القوى الأوروبية الأخرى كما أن الحروب التى خاضتها تتسم دائمًا بعنف المقاومة وبالدور المتفرد الذى يلعبه الدب الروسى أثناء المعارك مع قدرة على التعامل مع ظروف الطقس السييء والبرد القارس، فلا نكاد نذكر لروسيا هزيمة عسكرية إلا تلك التى جرت عام 1905 على يد اليابانيين إبان الحكم القيصرى فى موسكو، ورغم أن روسيا الاتحادية هى امتداد مختلف لروسيا السوفيتية التى هى مختلفة بدورها عن روسيا القيصرية إلا أن سمات تلك الدولة تظل واحدة فى كل عصورها، فهناك قاسم مشترك هو الشعور بالتفرد والقسوة فى التعامل مع الآخرين والرغبة الدائمة فى الوصول إلى البحار المفتوحة والمياه الدافئة.

ثانيًا: إن شخصية بوتين هى تكرار ثابت لشخصية القيصر الروسى وتحمل ملامح من بعض تصرفات جوزيف ستإلىن أثناء الحرب العالمية الثانية وفى أعقابها، فالعناد الروسى يتحكم فى أطراف الصراع لأنهم جميعًا فى هذه الحرب الأخيرة قد خرجوا من بوتقةٍ واحدة وينتمون إلى ثقافة مشتركة فى عمومها، لهذا فإن ما يجرى حإلىا على أرض المعارك فى أوكرانيا هو امتداد للعقلية الروسية التى تتسم بالإصرار ولا تتراجع عن قرار.

ثالثًا: إننى أزعم أن روسيا بقيادة بوتين لم تستجب لوساطة دولية إلا بعد أن يتحقق لها الهدف الأكبر من عملياتها العسكرية والذى يتركز على ضرورة إسقاط العاصمة الأوكرانية والبعث برسالة إلى الغرب وقادة دول الناتو بأن موسكو مصممة على إخضاع المناطق المحيطة بها لسيطرتها حفاظًا على أمنها القومى ووحدة أراضيها، لذلك فإن توقف المعارك من الجانب الروسى قبل تحقق هذا الهدف إنما يعنى بالضرورة هزيمة لسياسة بوتين الذى يتحدث منذ بدء المعارك عن أن الخطة العسكرية المرسومة تمضى فى طريقها وتحقق نتائجها، وذلك معناه أنه سوف يواصل القتال دون أن يعبأ بالوساطات الدولية أو التهديدات الغربية لأنه يدرك أن بلاده الكبيرة قادرة نسبيًا على تحمل جزء كبير من العقوبات الاقتصادية المنتظرة.

رابعًا: لا أظن أن الوساطة الإسرائيلية ولا الوساطة التركية يمكن أن تعطى بوتين مبررًا لقبولها، وأزعم هنا أن الوساطة الوحيدة التى سوف تكون مقبولة من موسكو ومرضية لها هى تلك التى تحدث عندما يتدخل التنين الصينى للوساطة بين روسيا الحليفة والغرب عمومًا، ولا شك أن بكين ترقب ما يجرى فى تعاطفٍ مع الحليف القوى وهو الدولة الروسية بكل تراثها الذى لا يخلو من صراعات مع الصين ذاتها وليس الخلاف العقائدى بين الصين بزعامة ماوتسى تونج والاتحاد السوفيتى السابق فى ستينيات القرن الماضى ببعيدٍ عن الذاكرة الكاشفة لنوعية العلاقات بين موسكو وبكين قربًا وبعدًا، إلا أن الجوار الجغرافى والاشتراك فى نظرة الشك والريبة تجاه الغرب يجعل تلك العلاقة بين الدولتين الكبريين عنصر توازن فى العلاقات الدولية المعاصرة.

خامسًا: إن دور الولايات المتحدة الأمريكية قبل وأثناء الحرب الأوكرانية يثير التأمل وكأنه يبشر بعهدٍ جديد للعلاقات بينها وبين حلفائها باعتبارها قائدة المعسكر الغربى، ولكنها تبدو هذه المرة وقد توارت نسبيًا وأطلقت إشاراتٍ أنها لن تخوض حربًا فى أوروبا بشكلٍ مباشر ولا بالوصاية على غيرها لأنها تدرك أن الدنيا قد تغيّرت وأن الدور الأمريكى يتراجع فى كثيرٍ من مناطق العالم، ونحن هنا فى الشرق الأوسط شهود على تلك الظاهرة الجديدة إذ أن نبرة البيت الأبيض وسطوة السياسة الأمريكية لم تعد كما كانت من قبل خصوصًا بعد انسحابها المخزى من أفغانستان واحتمال اكتمال ذلك الأنسحاب من العراق أيضًا وغيره من المناطق التى اقتحمتها واشنطن فى العقود الأخيرة، ولاشك أن بوتين يضع فى حساباته هذه الحقيقة الجديدة التى توحى بأن السياسة الأمريكية قد تتحول فى السنوات القادمة إلى سياسة انسحابية ترفع شعار أمريكا أولاً.

.. هذه قراءةٌ موجزة لتداعيات الصراع بين روسيا وجيرانها من حلفاء الغرب، ولاشك أن ذلك الصراع قابل للاتساع والأنتشار فى ظل تهديدات قادة الناتو فى جانب، وصلابة الرئيس الروسى على الجانب الآخر، وسوف تكشف الأيام القادمة ولاشك عن المشاهد الجديدة لطبيعة العلاقات الدولية فى إطارها المعاصر.

الكاتب – مدير مكتبة الإسكندرية – سكرتير رئيس الجمهورية للمعلومات سابقًا

زر الذهاب إلى الأعلى