مقالات وكتاب

د. محمود زايد يكتب: العلاقة بين الطالب وأستاذه.. مصريٌّ وكورديٌّ نموذجًا

تابعت بأسى حادث استشهاد أستاذين جامعيين بجامعة صلاح الدين بأربيل على يد طالب فاشل خلال هذا الأسبوع، هما: الدكتور كاوان إسماعيل «عميد كلية الحقوق»، والدكتور إدريس حمه خان «أستاذ في كلية الهندسة». تلك الحادثة التي تعدّ ترديًا خطيرًا في أخلاق بعض الطلاب في أغلب مجتمعات بلدان الشرق الأوسط. منطقة لم تسلم من هذا الداء، فنحن في مصر أيضًا نعاني من هذا التراجع الأخلاقي والتربوي، لكن لانزال في مرحلة تهكم الطالب على أستاذه، أو شتمه، أو تهديده بالسلاح الحاد الذي نسميه في شارعنا المصري «السلاح الأبيض».

هذه الظاهرة دائمًا ما تذكرني وتذكّر الأجيال التي قبلي بالصورة التي كانت عليها علاقتنا بأساتذتنا ومعلمينا، ومنها أن كنا إذا رأينا أستاذًا لنا يمر في نفس الشارع الذي نسير فيه نختبئ أو نقف على جانب الطريق مطأطئين رؤوسنا حتى يمرَّ الأستاذ. كنَّا لا رفع العين في العين أو الصوت على الصوت، أو الضحك قهقهة، فقط كانت البسمة أقصى تطور من الطالب أمام أستاذه.

أحكي لكم موقفًا لمدرسٍ مصريّ كان يعمل في كوردستان العراق منذ ثمانينات القرن الماضي، موقفٌ مع أحد طلابه الكورد داخل الفصل وخارجه. الطالب اسمه «حسين علي»، يعمل حاليًا مسؤول مكتب الحزب الديموقراطي الكوردستاني للعلاقات الكوردستانية العراقية، حيث القيته يوم 21 يونيو/حزيران الماضي في مقر عمله بصحبة الصديقين العزيزين شيركو حبيب وجنكي أغا.

حسين علي إنسان ذو سحنة هادئة، مثقفٌ واعٍ يعرض فكرته ورسالته مرتبة لتصل إلى السامع من أقصر الطرق. يتحدث العربية بدرجة جيدة مع إنه أخبرني إنه لم يتحدث العربية منذ سنوات طوال.

ولما علم أنني مصريّ، أبدى سروره وامتنانه ككوردي لمصر والمصريين لما بين الشعبين من علاقات تاريخية، وأقرّ أنه على المستوى الشخصي مدين لمدرسين مصريين درسوا له في مرحلة الإعدادية، أسهموا في تشكيل وعيه وتفكيره، وظهر معدنهم في مواقف حياتيه لا ينساها، بل إن بعض هذه المواقف كانت بمثابة دفعة وتحفيزًا للطالب حسين علي أن تكون له شخصية مجتمعية ذات رسالة وطنية إنسانية في مجتمعه.

يقول الأستاذ حسين علي: كانت شخصيتي وأنا طالب أنني دائم الأسئلة والمناقشة والمداخلة مع مدرس المادة في ضوء الدرس الذي يُدرس لنا، أي لم أكن طالبًا متلقيًا فحسب، وإنما دائم الحضور والظهور في أي درس من الدروس داخل الفصل. واعتاد أساتذتي على ذلك، وكانوا يستحسنون شخصيتي، ومنهم المدرسون المصريون.

ويذكر أنه في أثناء انتفاضة مارس/آذار 1991م في كوردستان العراق استشهد أحد أعمامه في معركة عقره، وكان عمه هذا بمثابة الأخ والصديق والرفيق وكل ما يؤدي إلى الحب والاحترام، فكان قريبًا منه جدًّا وكان حسين أيضًا قريبًا من عمه جدًّا.

ويضيف: جاء خبر استشهاده عليَّ كالصاعقة، بكاء شديد، وصراخ وعويل ومرمغة في التراب. لم أهدأ منذ لحظة عرفت خبر استشهاده عصر ذلك اليوم حتى صباح اليوم التالي. نصحني الأهل بالذهاب إلى المدرسة بشكل طبيعي حتى أبتعد ساعات عن جوّ البيت الحزين الكئيب البائس. بعد رفض وتردد استجبت لهم.

وفي حصة مادة اللغة العربية التي كان يدرسها لنا هذا المدرس المصري (الأستاذ صلاح)، لحظ عدم وجودي، فأنا فعلاً حاضر، لكن بجسدي فقط لا بعقلي ولا شخصيتي المعتادة، كان ينظر إليَّ مدققًا بين دقيقة وأخرى، رأى وضعي الحزين، وحالي الخافت، سألني: «مالك يا حسين»؟ لم أستطع أن أجيب، جاء إليَّ حيث مقعدي ومال نحوي، وربت بكفه على كتفي مطبطبًا ومكررًا سؤاله: «مالك يا حسين يا حبيبي؟ فيه إيه؟ إنت تعبان وللا حاجة»؟! لم أستطع أن أجيبه! رفع رأسه إلى الطلاب وسألهم: «حسين ماله يا ولاد؟» فأخبروه بوفاة عمي في معركة عقره.
هنا وبزاوية 180 درجة، غيّرَ المدرسُ المصري موضوع الدرس من اللغة العربية إلى التاريخ، حيث شرح موضوعًا عن «حركات التحرر في العالم»، وبدأ يسهب في الشرح في ماذا تعني حركات التحرر للشعوب المظلومة أصحاب الحقوق المهضومة، ومنها الشعب الكوردي. يأتي بنموذج من هذه الحركات في أفريقيا وآسيا، ويبيّن كيف أن الشعوب الحرة تضحي من أجل حقوقها، وأن هؤلاء الأبطال من الشهداء تكون منزلتهم عظيمة بين شعوبهم في الدنيا وعند الله في الآخرة، لأنه يناضل ضد الظلم، وضد الاستبداد والاستعباد.

عندما وصل الأستاذ حسين علي إلى موقف الأستاذ المصري هذا، لحظنا أنه تجمد لسانه عن الكلام وسكت برهةً، لتذرف عيونه بالدموع، ثم يحاول أن يتماسك، حتى تمكن من ذلك في غضون دقيقة، مبديًا أسفه أنه لم يستطع أن يتمالك الدموع من عظمة ما قام به المدرس المصري نحوه في ذلك الوقت العصيب، إذ استطاع أن يحوّل وجداني من الحزن والكآبة، إلى الانتباه واليقظة لكل ما يقوله.. إلى تطييب القلوب وجبر الخواطر.. إلى الاعتزاز والافتخار بعمي الشهيد البطل، الذي لم تذهب دماؤه سدى ولا هدرًا؛ لقد اتضح من شرح الأستاذ المصريّ أن عمي أحد أبطال البيشمركه العظام، الذين ضحوا بحياتهم لأجل قضيتهم وحقوقهم العادلة، أمام جرافات وشوفينيات وطائرات حزب البعث الوحشية.

يضيف حسين علي لي وللحاضرين وكأن على رؤوسنا الطير: «لا تتخل كيف أحدث موقف أستاذي المصري هذا في نفسيتي ووجداني، بأن غيّر موضوع الدرس، وتركيزه على شرعية الحركة التحررية الكوردية، وعلى أن ما قام به عمي عملٌ عظيم لا يرقى إليه إلا كل مخلص لقضيته مضحيًا لها بأغلى ما يملك لأجل مستقبل عائلته والشعب الذي ينتمي إليه؛ لقد رسم أستاذي البسمة على شفتي، لقد جعلني في نهاية الدرس مسرورًا مزهوًّا باستشهاد عمي بعد أن كنت حزينا كئيبا على فقدانه. لقد قوّى فيَّ – وأنا الطالب الصغير – قيمة الشعب الذي أنتمي إليه، وعدالة قضيته التي يناضل من أجلها، وأهمية أن يشارك الجميع بما يستطيع في هذا النضال حتى لا تُمسي الحقوق القومية للشعب الكوردي في خبر كان، وفي طيّ النسيان. أنا مدين لأستاذي المصري بأن جعلني أعود إلى البيت بعد المدرسة بحالة غير التي أتيت إليها في الصباح، ومدين له بأن كان أحد من أشربوني وأطعموني قيمة الإنسانية و«الكوردياتي».

لقد برهن أستاذي المصري على ما أن بين مصر والكورد وشائج لا تنقطع.

هذا كان أستاذًا، وهذا كان طالبًا منذ نحو أكثر من ثلاثين سنة. فماذا حدث لنا الآن؟! لاشك أن الأستاذ صلاح والطالب حسين علي لم يكونا حالة فردية، ففي وجدان الكثير منا ومن سابقينا قصص ومواقف مع أساتذته تكفي الدنيا أخلاقًا واحترامًا وتقديرًا.

ماذا حدث لمجتمعاتنا؟! نحن في وضع أخلاقي وتربوي صعب. جميعنا مسؤولون، جميعنا محاسبون. فليقم كل واحد فينا بدوره، ويخلص ويتفاني فيه؛ فإن تفاقمَ الوضع أكثر من ذلك سيأخذ الجميع في وجهه، ولن يترك أخضر ولا يابسًا. وحسنا فعلت سلطات إقليم كوردستان العراق المختصة تجاه غلق محلات بيع السلاح، ومراجعة رخصة (إجازة) حيازة حمل السلاح، لكن هذا لا يكفي، فلابد من قانون رادع في الإقليم. وسوف تظل الأسرة عليها الدور الكبير والمسؤولية العظمى في تشكيل الوعي وبناء الذات وغرس القيم والأخلاق في حياة أبنائها، لأنها بذلك تحمي نفسها وأبناءها ومجتمعها من تهديدات عولمة الانفكاك الأسري والمجتمعي تحت شعارات زائفة لا تتناسب مع ثقافتنا الشرقية وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا.

الكاتب: أستاذ جامعي وباحث في شؤون الشرق الأوسط

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى