مقالات وكتاب

د. حسن رجب يكتب: الصين وطالبان وتوافق المصالح

جاءت الزيارة التي قام بها وفد حركة طالبان الأفغانية إلى الصين الثلاثاء الماضي ٢٧ يوليه ولقاء نائب رئيس مجلس الدولة الصيني ووزير الخارجية السيد وانغ يي لبداية مرحلة جديدة من التعاون، وذلك بالتزامن مع بروز حركة طالبان الأفغانية من جديد كقوة سياسية وعسكرية في أفغانستان في بداية شهر مايو في ظل إعلان أمريكا المفاجئ بسحب قواتها وقوات الناتو من الأراضي الأفغانية بعد أكثر من ٢٠ عامًا من تدخل الولايات المتحدة في أفغانستان واسقاط حكم طالبان.

واعتقد بأن هذه الخطوة جاءت نتيجة استنزاف وإنهاك القوات الأمريكية في أفغانستان لمدة عشرين عاما دون نتيجة ملموسة على الأرض، وثانيًا لتكون أفغانستان ملاذ آمن لداعش والإرهابيين الذين يخدمون المصالح الأمريكية ولتكونكالخنجر المسموم في جسد الدب الروسي والتنين الصيني، حيث تتقاسم كل من الصين وأفغانستان حدودًا مشتركة تبلغ ٧٦ كيلومتر عبر مناطق جبلية شاهقة ووعرة التضاريس تمتد بمحاذاة منطقة شينجيانغ الصينية ذات الأغلبية المسلمة خشيه أن يستخدمهم الانفصاليون الإيغور المدعومين من أمريكا لتهديد للصين.

وتأتي زيارة وفد حركة طالبان الأفغانية إلى الصين بعد زياراتقام بها إلى طهران وموسكو وتركمنستان، بهدف اكتساب شرعية واعتراف دولي وغطاء دبلوماسي محتمل في الأمم المتحدة لمواكبة توسعها العسكري علي الأرض في أفغانستان.

فبالنسبة للصين التي تنتهج أبدًا ودوما سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ولكن هذه المرة مضطرة اضطرارًا لتكثيف جهودها الدبلوماسية لتشجيع تسوية سياسية في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي المفاجئ والذي أربك الجميع.

فالصين منذ أمد طويل تحاول لعب دور سياسي في أفغانستان، لكن الاحتلال الأمريكي حال دون ذلك، فالتنين الصيني يهمه في المقام الأول هو إرساء الاستقرار لجارته أفغانستان بعد عقود طويلة من الحرب، وأن إيجاد إدارة مستقرة ومتعاونة في كابول يمهد الطريق للصين لتوسيع مبادرة الحزام والطريق عبر بوابة أفغانستان لتدخل إلى جمهوريات آسيا الوسطي. وفي نفس الوقت يضمن ألا تكون أفغانستان المتاخمة لإقليم شينجيانغ الصيني مصدر تهديد ودعم لوجيستي للانفصاليين الأويغور.

وبالتالي قد رحبت الصين ترحيبًا حارًا بوفد الحركة، حيث قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي “أن حركة طالبان الأفغانية قوة سياسية وعسكرية حاسمة في أفغانستان وأن أفغانستان هي ملك الشعب الأفغاني ومع فشل السياسة الأمريكية في أفغانستان، اعتبر بأن لدي الشعب الأفغاني فرصة لتحقيق الاستقرار”، بينما أكدت حركة طالبان الأفغانية على لسان المتحدث باسمها محمد نعيم “بأن الحركة لن تسمح باستخدام أفغانستان كقاعدة لشن هجمات تستهدف أمن الدول الأخرى”.

وفي اعتقادي أنه من الطبيعي أولًا أن تشعرالصين ببعض القلق بسبب”الأجندة” الدينية المتشددة التي ينتهجها متمردوا الحركة.

وثانيًا بسبب أنه ليس هناك أرضية مشتركة تجمع بين قادة الحزب الشيوعي الصيني وقادة الحركة إلا أنني اعتقد أن من صالح الطرفين في هذه المرحلة هو تغليب المصلحة الشخصية علىالفوارق العقائدية. كما أن الصين سوف تنجح في تحييد حركة طالبان وتوجيه دفتها للتعاون معها وذلك لحاجة الحركة الماسة إلى دعم وتأييد الصين لها.

فحركة طالبان تري في الصين مصدر بالغ الأهمية للدعم السياسي والاقتصادي والاستثمار المباشر وغير المباشر من خلال الراعي الرسمي لمتمردي طالبان وهو دولة باكستان الحليف الصيني في المنطقة.

وعلي الرغم من أن هذه الخطوة من جانب بكين ربما ينظر إليها بعض المحللين على أنها تقويض لشرعية الحكومة الأفغانية وتقديم حركة طالبان للمجتمع الدولي بوصفها حكومة قيد الانتظار.

إلا أن الشواهد على الأرض في أفغانستان وسيطرة طالبان علي معظم الأراضي الأفغانية تدفع كلا الطرفين إلي توافق المصالح وفق المعطيات الجديدة المعقدة التي خلفها الانسحاب الأمريكي من أفغانستان.

الكاتب أ.د. حسن رجب – أستاذ الدراسات الصينية -عميد كلية الألسن جامعة قناة السويس

زر الذهاب إلى الأعلى