مقالات وكتاب

حسن القباني يكتب: سبل الطمأنينة والسلام

كثيرا ما يحتاج إنسان هذه الحقبة الزمنية على الكرة الأرضية إلى الطمأنة والسلام في مواجهة الخوف والرهاب، لا فرق في هذا بين عربي أو أعجمي ، إلا في المناخ المحيط ، وطالما هناك تغير في المناخ في مجالات عدة لا تتوقف على الطقس، بات الحديث عن سبل الطمأنة والسلام النفسي ضرورة المرحلة وواجب الوقت.

هناك في معظم دول العالم تغير في المناخ، الطقسي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والأسري وحتى الفنى، تغيرا مقلقا ترافقه طبول التنبيه والتذكير وعمليات التصعيد في الترهيب كذلك، ما أشاع جوا من الخوف والرهاب المرضي”الفوبيا” في قلوب البشرية، وما أصعب ما تمر به القلوب البيضاء في تلك الأجواء المؤسفة على مستوى العالم.

بداية يقول المختصون وفق العديد من المواقع الطبية أن هناك فرق بين الخوف والرهاب المرضي “فوبيا”، وأن الخوف شعور مثل الغضب أو الفرح، وهو تنبيه من الجسم بوجود خطر حقيقي، أما الرهاب فهو خوف شديد وغير منطقي ويمنع الإنسان من ممارسة حياته الطبيعية، واكتشف باحثون من جامعة ماريلاند في دراسة حديثة أن كلًّا من مشاعر القلق والخوف يربطهما دوائر عصبية واحدة في الدماغ.

ونزعم أن هناك نوع ثالث وهو رهاب الإسلام أو “الاسلاموفوبيا “، والذي بات كذلك رمزا عالميا متجسدا على الخوف المرضي المجرم المتوغل بتطرف بشكل لا يبقي عقلا ولا يذر طيبة في قلب ، وبات اليمين المتطرف الغربي تحت تأثير تمييز عنصري ناشر الخوف والترهيب في قلوب المسلمين والمهاجرين العرب بشكل مزري يتطالب تدخلا فوريا.

 والملاحظ أنه في المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأسرية صار الخوف المتبادل حقيقة واقعة تحول دون السلام المجتمعي والتطور المالي والتقدم الإنساني والوفاق الاجتماعي ، وأمست النزاعات والشقاق والفشل أو الإفشال والحروب الباردة والمشاعر المتجمدة شعارات المرحلة بناء على خوف لا يبني تواصلا ولا يؤسس لعلاقات صالحة مستدامة ولا يتيح متنفسا أو وقتا للإنقاذ وتلافي الأخطاء.

وإزاء ذلك، بات من الأهمية بمكان، أن تتواصل جهود حملة الفكر والقلم والعلم، لبث الطمأنينة في القلوب ونشر السلام بكل أشكاله بين الدول وبعضها البعض، وبين أصحاب المال والمستهلكين، وفي الأزواج والزوجات في البيوت، وبين الناس بعضها بعضا، بحيث نقلل من عواقب توغل الخوف أو الرهاب المرضي أو الرهاب المجرم.

وهنا لا يمكن إغفال وجود حديث عن أجندات مسبقة ورأي أصحاب المؤامرت الكونية المدبرة وتجار السلاح ومافيا المخدرات والعالم السفلي القذر وأرباب التطرف والإرهاب والاحتلال ، الذين لا يرون الكون كونا إلا في إطار الصراع والشقاق والترهيب ، ولكن نظن أن دور كل المؤسسات المعنية في كل مكان في العالم سيؤتي ثماره ، ولو بعد حين ولو بشكل متدرج، على المستوى الاستراتيجي.

والتعامل مع الخوف يجب أن يبدأ من الإنسان ، ففي الكون طاقة إذا صلحت صلح العالم كله وهي طاقة هذا الإنسان ، فإذا شحنت بالخير والبر والعلم والحب شعت أنوارا تلو أنوار وإذا شحنت بالشر والضرر والجهل والكراهية طفحت بالظلام والإظلام.

ونرى أهمية ترسيخ ثلاث مرتكزات في بث الطمأنينة والسلام في قلوب البشر، وهي : المرتكز الأسمى وهو الله عز وجل وما يترتب عليه ، والمرتكز المعرفي المتجدد الحافظ للإنسان وما حوى ، ومرتكز المعروف الذي يجدد طاقات الخير والبر في قلوب البشر وعقولهم، فمن استند على قوة الله ومعرفته الراشدة وسار بالمعرفة والمعروف نال السلام النفسي والطمأنينة ولا شك.

يقول تعالي ” أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: منْ لَزِم الاسْتِغْفَار، جَعَلَ اللَّه لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مخْرجًا، ومنْ كُلِّ هَمٍّ فَرجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ رواه أبو داود”، وذكر الله ليس هروبا من الحياة بل هو بلسم مجرب لمواجهة هموم الحياة.

 والاعتدال والرشاد في الدين مهمين ، وهما من أهم ما يترتب على معرفة الرب والقرب منه، وفق ما نرى، حيث يفتحان آفاق أرحب للتسامح والرضا والمحبة وهي  ما تحاصر المخاوف في مهدها وتؤسس لطريق الراحة، بجانب اعتماد السبل الأخرى.

والمرتكز المعرفي يشكل لبنة مهمة في المسارات كلها لمواجهة المخاوف، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الأسرة ، وكل مجال له خبراء حصار للخوف ومواجهة الرهاب ، ينبغي الرجوع إليهم والاطلاع على ثمرات أفكارهم والتجاوب مع خرائط علاجهم وحلولهم.

ونظن أن فهم المخاوف ومعرفة حجمها أولا ، بجانب التمسك بالتفكير الايجابي ، والمصارحة والحوار، وحسن التواصل والاتصال ، والتثيقف ومقاومة الفراغ، واتباع مسار التفكير الاستراتيجي ، والتوزان والمرونة ، وتصور النجاح والسعي اليه، واختيار محيط ايجابي ، أدوات مهمة لمواجهة العديد من المخاوف والرهاب.

ويتبقى المرتكز الثالث ، وهو الإنشغال بالمعروف وبث طاقات الخير والبر، وقد كان التعبير القرآني ملهما عندما قال الله تعالي :” ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍۢ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ”، فجعل الله عزوجل الإطعام وسد الجوع مرافقا للأمان من الخوف، في إشارة واضحة عن أهمية البر في بث الأمن والله أعلم.

ومن أهم فوائد الإنشغال بالمعروف سواء عبر العمل التطوعي أو الرسمي، بث السكينة والراحة في القلوب وحصار الخوف من الحاضر والمستقبل، وبناء ثقة في المجتمعات بين الناس بعضها بعضا، بجانب تعزيز الثقة في النفس وتحقيق بعض بواعث الرضا والسكينة.

إن عالما مثل عالم اليوم يحتاج إلى اتباع سبل الطمأنينة والسلام لأن عواقب التأخر عن هذا الدرب وخيمة ، فتعلموا واعملوا واطمئنوا وطمئنوا وانشروا السلام، “وَٱللَّهُ يَدْعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰامِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ”.

زر الذهاب إلى الأعلى