مقالات وكتاب

حسام بدراوي يكتب: سياستنا الخارجية بين الكُمون والفاعلية

إننى كمواطن مصرى أحمل آمالا عريضة للوطن، وأسعى لطرح أفكار ورؤى تعقبها حوارات مع شباب الحالمين بالغد، ودافعى الرئيسى وراء ذلك هو شغفى بالإصلاح، ورغبتى فى المشاركة الإيجابية لتحقيق الاستدامة فى التنمية، وتراكم الجهود لجعل مصر دولة عظمى، وهى تستحق.

إن ثروة مصر الحقيقية هى فى مواطنيها عبر التاريخ. فمن صنع الحضارة المصرية فى أقدم دولة فى التاريخ هم المصريون، ومن بدأ التنوير فى المنطقة، كانوا المصريين، وخوفى وقلقى أن نفقد أهم كنوزنا وهم أطفالنا وشبابنا، سواء بتدنى مستوى التعليم أو بتطرف الفكر، أو رجعية السلوك، أو فقدان القيم. إن مسؤوليتنا عظيمة كأجيال أكبر، ولابد لمن يملك القدرة أن يدلى بدلوه فى إطار الشرعية والقانون، وأن يفكر ويقول ويوثق.

وفى هذا الإطار، أنا أنظر للشعار الذى طَرَحته قيادة البلاد بمسمى «الجمهورية الجديدة» بجدية، بل والتزام بطرح الأفكار التى تساهم فى بناء الوطن، تتجنب أخطاء الماضى وتتعلم منها، وتنظر إلى العالم حولنا وتستفيد من تجاربه.

لذلك فإننى مع مجموعة من الشباب الذين أحاول تحفيزهم، والخبراء الذين أسعى إلى عصارة تفكيرهم، والسياسيين المستعدين لطرح آرائهم والشراكة فى خبراتهم، نجتمع بين الحين والآخر، لا لنسأل فقط، ماذا يقصدون بالجمهورية الجديدة؟! كما يفعل العديد من الناس، وكأننا طرف سلبى فى معادلة صنع المستقبل، بل نتحاور فى كيفية أن نكون فاعلين فى بناء هذه الجمهورية.

علينا ونحن نرسم طريقنا نحو الجمهورية الجديدة أن نضع فى اعتبارنا أن الوضع السياسى والاجتماعى والتقنى فى القرن الواحد والعشرين يبدو كأنه فوز ساحق للتوجه الغربى نحو الليبرالية، ورأسمالية السوق والتأكيد على حقوق الإنسان فى معركة استمرت قرابة أربعة عقود بعد الحرب العالمية الثانية ضد الأيديولوجية الفاشية والشيوعية.

.. لكن ظهر لنا أن الليبرالية الغربية تحولت، بدون وجود المضاد، إلى وحش كاسر يرسم خريطة استعمارية جديدة، بتعددية متدنية لحقوق الإنسان، وتعانى داخليا الآن من أزمات وجود، وتحولات متقاطعة، وفقدان للمصداقية.

ويبدو لى أن ثورتى تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية هما الآن أعظم تحديات الجنس البشرى منذ وجوده، وأعظم فرصة له ولنا فى نفس الوقت.

ويبدو لى كذلك أن احتمالات دمج تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية قد تؤدى، فى المستقبل القريب، إلى إخراج ملايين الأشخاص من أسواق العمل، وتقويض مزعج للحرية والمساواة وازدياد الفوارق الاجتماعية.

بل يمكن لهذا التطور، باستخدامات الذكاء الاصطناعى بخوارزميات البيانات الضخمة، خلق ديكتاتوريات رقمية لم تعرفها الإنسانية من قبل، مع تركيز القوة فى أيدى نخب صغيرة عابرة للحدود التقليدية للدول بشكلها التاريخى، بينما سيعانى معظم مواطنى العالم من الاستغلال أو يتم إلقاؤهم فى سلال المهملات..

أين نحن من ذلك، هل نحن مستعدون؟.

كيف نؤهل شبابنا لهذه التغييرات ولا ننتظر فرجا من الله، ولا من ينقذنا من ويلات تحديات الفقر والجهل.. إننا من يجب أن يعمل لبناء مصر الجديدة، بعد أن نُعَرّفها، ونحدد أهدافنا ووسائل تحقيقها فى هذه الجمهورية الجديدة الحديثة.

لقد اقتربت من الانتهاء من كتابة كتاب عنوانه «آمال عريضة لجمهورية جديدة»، وأخذت فيه منهجا، هو كتابة الطرح بعد البحث، ويليه حوار مع الشباب، لنستمع لهم ونحترم أن عالم الغد هو عالمهم.

لخصت فى الفصل الأول تحت عنوان رؤية متكاملة للجمهورية الجديدة عشرة توجهات واختيارات وآمال تحتمل الزيادة، والقضية ليست فى فلسفة التغيير وطرح أفكار خارج الإطار التقليدى، لكن فى كيفية تطبيقها أيضا.

شملت التوجهات عشر دعامات للجمهورية الجديدة، أولاها الاستقرار على النظام السياسى لحكم البلاد بغض النظر عن المسمى، أو الأيديولوجية بما يسمح باختيار الأكفأ، والأكثر فاعلية، بشفافية وقدرة من المجتمع على المحاسبية.

وثانيتها إحداث تغيير ثقافى فى سلوكيات المجتمع من بوابة التعليم والثقافة والإعلام، وسياسات واضحة للتعامل مع الشباب من الفئات العمرية المختلفة. ويعنى ذلك وضع محور التنمية الإنسانية، شاملا التعليم والثقافة والإعلام والشباب والرعاية الصحية فى ملف يمكن التعامل معه فى إطار متناسق.

ثالثتها يرتبط بالإيمان المطلق أن قلب الجمهورية الجديدة هو نظام العدالة فيها، الذى بدونه لا تقوم للدولة قائمة.. وأن هناك وجوبية لإصلاح نوعى وفكرى لمؤسسات العدالة ومؤسسات إنفاذ القانون «الشرطة». وهذه الدعامة هى واحدة من أهم دعامتين لبنيان الدولة المدنية الحديثة بجانب فتح آفاق المعرفة من بوابة التعليم والتعلم والثقافة.

رابعهتا إجراء تغيير هيكلى فى الاقتصاد المصرى، بهدف تحفيز النمو واستدامته وتوازنه، مع خلق فرص التشغيل.

وخامستها إصلاح الجهاز الإدارى فى الدولة وإحياء الأخلاقيات والقيم التى ترسخ مبادئ الأمانة والنزاهة ومحاربة الفساد ودعم الشفافية، وتغيير نمط الحوكمة والرقمية فى كافة المؤسسات، مع تطبيق تدريجى للامركزية.

سادستها الحفاظ على البيئة من أجل الأجيال القادمة مع استدامة توفير الطاقة النظيفة والمياه لاحتياجات الشعب المصرى.

سابعتها تحديد الدور المصرى فى صناعة مستقبل إفريقيا والشرق الأوسط والعالم واستراتيجيات تطبيقه.

ثامنتها زيادة قدرات جيش مصر، عتادا وتدريبا، وتطوير نمط التسليح بزيادة القدرة على التصنيع العسكرى، وإيجاد التوليفة الحضارية التى تحترم وجود القوات المسلحة التى تحمى الوطن والدستور، بدون المساس بمدنية الدولة وعدالة المنافسة الاقتصادية وحرية الممارسة السياسية.

ويلى ذلك الدعامة التاسعة وهى تنمية دور المجتمع المدنى الفعّال وتنشيطه ودعمه واحترام حقوق المواطنين فعلا وبلا مواربة. أما العاشرة فهى التحكم فى نمو ونوعية وتوزيع السكان.

ونظرا لواقع المتغيرات السريعة والمتعددة حولنا، أفتح مجالا للحوار حول الدعامة السابعة وهى تحديد الدور المصرى فى صناعة مستقبل إفريقيا والشرق الأوسط والعالم واستراتيجيات تطبيقه.. إن إيجاد دور فعال لمصر فى إفريقيا والشرق الأوسط والعالم فى الجمهورية الجديدة يجب أن يتواصل مع تاريخها، فلم يُحدثنا التاريخ الحديث أو القديم عن نهضة لمصر، وهى منكفئة على نفسها، أو مغلقة أبوابها ونوافذها عن العالم.. إن دور مصر الريادى التنويرى مازلت أراه حيويا، بل دعامة من دعامات نهضتها.. وهو دور يأتى ليس من فلسفة السكون أو الكمون أو الوساطة، لكن من فلسفة المشاركة الإيجابية فى صنع المستقبل.

نعم مصر القوية داخليا هى مصر القوية خارجيا.. والتاريخ يعلمنا أن مصر َصدّرت التنوير والثقافة فى القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.. ومصر َصدّرت الثورة لكل إفريقيا والعالم العربى بعد عام ١٩٥٢. ومصر بانتهاجها للاشتراكية نقلت تجربتها إلى الدول المحيطة بها.. إلا أن مصر المستقبل، عليها أن تُصدّر- من وجهة نظرى- الديمقراطية فى ثوب جديد واحترام حقيقى لحقوق الإنسان وإنجاز جبار وملموس فى الخروج من دوائر الفقر والظلم والجهل والفوضى.. إن مصر فى إطار دورها القائد.. إذا أخذت من الداخل بهذا الإصلاح السياسى الاجتماعى.. فإننى أرى دول المنطقة ذاهبة إلى حيث تذهب مصر.. بكل أثرها وتأثيرها.

ولأنى أدرك وأؤمن بالمنافسة، فلابد أن تكون لدينا استراتيجية تنافسية مع الدول التى بدأت تشكل بثقلها الاقتصادى والسياسى شكل مستقبل المنطقة.. وأقصد بها إيران، وتركيا وإسرائيل. وأزيد عليها دول الخليج الصديقة.

الخليج والمملكة يتقدمان الآن بخطى واثقة إلى الحداثة، وأخشى أن مصر عليها أن تأخذ راية الحداثة مضمونا وترقى به إلى مستويات أعلى، فقيمة مصر وإمكاناتها البشرية كبيرة لو تعلمون.

إن على قيادة مصر دراسة حال إيران بكل ما حدث فيها من نمو رغم الحصار الاقتصادى من الغرب، ولا أعلم مثلا لماذا تعتبر إيران عدوا، بينما تعتبر إسرائيل حليفا!!. ولابد من دراسة تركيا وما حدث فيها من توازن اقتصادى وسياسى وتنموى رغم خلافاتنا السياسية العميقة مع نظام الحكم بها الآن، وكذلك ما يحدث فى إسرائيل من نمو اقتصادى وعلمى وبحثى وعسكرى يجعلها القوة الأكثر تأثيرا الآن فى المنطقة، والذى علينا أن نتفوق عليها حضاريا واقتصاديا من مدخل العلم والمعرفة والتنمية والثقافة.

إن ترتيبات أمن المنطقة، الذى تسعى إليه إسرائيل الآن وتريد قيادته، موضوع شائك، وعلى مصر الحذر من أن تكون مجرد تابع فتفقد قيمتها الحيوية فى القدرة على صناعة المستقبل.

وتقول حكمة الإمام «أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون كريهك يوما ما واكره عدوك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما».

نستكمل الأسبوع القادم.

 

الكاتب: الدكتور حسام بدراوي – رئيس لجنة التعليم بمجلس الشعب سابقًا

زر الذهاب إلى الأعلى