الرئيسيةعرب وعالم

المحلل السياسي عمر عبد الرحمن: اضطرابات القدس تكشف هشاشة السيادة الإسرائيلية على الفلسطينيين

اتسم رد فعل الفلسطينيين الذين يشكلون نسبة 40 % من سكان مدينة القدس بالإحباط المصحوب بالاستنكار عندما أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في ديسمبر 2017 اعتراف أمريكا بسيادة إسرائيل الكاملة على القدس، وكان ذلك تتويجا لمحاولات إسرائيل منذ عام 1967 لجعل المدينة “عاصمتها الأبدية غير المقسمة”.

ويقول عمر حسن عبد الرحمن ، الكاتب والمحلل السياسي والزميل الزائر بمركز الدوحة التابع لمعهد بروكنجز الأمريكي، في تقرير نشرته محلة ناشونال انتريست الأمريكية ، إن الاضطرابات اتسع نطاقها إلى حد كبير في القدس في الأسابيع الأخيرة. وما بدأ مجرد احتجاجات ليلية للشبان الفلسطينيىن الذين يواجهون القمع العنيف من جانب قوات الأمن الإسرائيلية أصبح الآن على وشك أن يشمل كل إسرائيل. وهذا تذكير واضح بأن مزاعم السيادة لاتعني الكثير عندما يفتقر كثيرون يعيشون تحتها إلى حقوقهم الأساسية.

والمشاهد المروعة لما فعلته القوات الإسرائيلية في باحة المسجد الأقصى مؤخرا تذكر بالأيام الأولى للانتفاضة الفلسطينية الثانية؛ حيث اندلعت مظاهرات واسعة النطاق في المدن في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية وفي داخل إسرائيل، مما أظهر استعراضا غير مسبوق للقومية الفلسطينية بين المواطنين العرب في إسرائيل.

وتم إرسال آلاف القوات الإسرائيلية الإضافية إلى الضفة الغربية لمواجهة التصعيد المتوقع، وتعرضت غزة لقصف جوي شديد بعد أن بدأت الجماعات المسلحة الفلسطينية إطلاق صواريخ على إسرائيل، وصل بعضها إلى مشارف القدس، وأدت لمقتل ثلاثة أشخاص. كما أدت الهجمات الجوية الإسرائيلية في غزة إلى تسوية مبنى من 15 طابقا بالأرض وإلحاق الضرر بغيره من المباني ، وأسفرت الهجمات عن مقتل عشرات الفلسطينيين من بينهم عدد كبير من الأطفال.

وذكر عبد الرحمن، الحاصل على شهادة الماجستير في السياسة والشؤون العالمية من كلية الدراسات العليا في الصحافة بجامعة كولومبيا الأمريكية، أن القيود التي فرضتها بلدية القدس في 13 أبريل الماضي ، في بداية شهر رمضان على مدخل بوابة دمشق حيث يتجمع بالمسجد الأقصى، الشباب الفلسطينيون للتقارب فيما بينهم بعد يوم صوم طويل أدت إلى تحد من جانبهم تمثل في اجتماع المئات منهم في المنطقة المحاذية لبوابة دمشق.

وقد قوبل ذلك برد فعل عنيف من جانب القوات الإسرائيلية . واتسع نطاق الاحتجاجات والقمع ليلة بعد ليلة ، وشارك فيها المواطنون الإسرائيليون في إسرائيل، والجماعات اليهودية اليمينية المتشددة، والسياسيون الذين يأملون في تأجيج التوتر العرقي والديني. وأخيرا قررت السلطات في 25 ابريل إزالة الحواجز عند بوابة دمشق، مما منح الشباب المحتجين شعورا بالانتصار.

وبينما كان من الممكن أن تنتهي المظاهرات عند هذه النقطة، كانت عدة عائلات فلسطينية في مكان آخر في القدس تواجه طردا وشيكا بالقوة من منازلها في حي الشيخ جراح. وطوال عقود أصبحت العائلات الفلسطينية التي قامت الأمم المتحدة والحكومة الأردنية بتوطينها في الحي في خمسينيات القرن الماضي – بعد فقدانها لمنازلها داخل ما أصبح إسرائيل أثناء حرب 1948- هدفا للمستوطنين الذين يريدون ترحيلها. وفي ظل إطار قانوني إسرائيلي تمييزي يهدف لتسهيل ترحيل الفلسطينيين، بدأت المحاكم في إصدار أوامر الإخلاء في بداية القرن الحالي، وكانت ست عائلات أخرى تتوقع تصديق المحكمة العليا على أوامر إبعادها.

ويعتبر حي الشيخ جراح مركزا للنشاط الفلسطيني المحلي في القدس منذ سنوات، وكان كثيرا ما يجذب اهتماما خارجيا. وأدى تزامن الأحداث حول بوابة دمشق، وشهر رمضان، وتوقع تصديق المحكمة على أمر الإخلاء إلى أن تستغل عائلات حي الشيخ جراح الفرصة باستضافة فعاليات وأنشطة خارج منازلها لاجتذاب مؤيدين لها. واستخدمت القوات الإسرائيلية القوة المفرطة في قمع هذه التجمعات.

وحاولت الحكومة الإسرائيلية تصوير القضية على أنها ” نزاع عقاري” حيث اتخذت طريق المحاكم، رغم أنها أساسا تطبق نظام قوانينها على القدس الشرقية بما يخالف القانون الدولي، الذي يعتبر القدس الشرقية أرضا محتلة. ومع ذلك، كان التظاهر القانوني وأسلوب التنفيذ التدريجي عناصر أساسية لأسلوب إسرائيل لتجنب أي لوم دولي لتصرفاتها.

ومؤخرا ، في اليوم المتوقع لصدور حكم الإخلاء ، طلب النائب العام الإسرائيلي تأجيل الحكم 30 يوميا حتى يقوم بإعادة النظر في القضية- فيما يحتمل أن يكون محاولة لوقف الاحتجاج.

ويضيف عبد الرحمن أن سياسة التغيير الديموغرافي الإسرائيلية الأوسع نطاقا في القدس أصبحت واضحة. فمنذ احتلال الجزء الشرقي من المدينة عام 1967، اتبعت السلطات الإسرائيلية تخطيطا عمرانيا من منظور عرقي- قومي من أجل إعادة شكل المدينة لتبرير مزاعمها بأن لها السلطة المطلقة على القدس بأكملها.

وذكرت جماعة حقوق الإنسان الإسرائيلية بيتسليم أن إسرائيل” تعمل بطريقة ممنهجة لطرد” الفلسطينيين” من القدس باستخدام سياسات تشمل مصادرة الملكية الخاصة، وتقييد تراخيص البناء، وهدم المنازل، والترحيل القسري، وتجريد حوالي 15 الف فلسطيني من وضعية الإقامة . كما أن الفلسطينيين يدفعون ضرائب في المدينة دون تمتعهم بأي استثمار ملائم في مجتمعاتهم.

وفي الوقت الحالي هناك 8.5% فقط من مساحة القدس مخصصة لسكن الفلسطينيين، رغم أنهم يمثلون حوالي 40% من السكان. ولا يتمتع سوى نصف الفلسطينيين باستخدام شبكة المياه ، ويعيش ثلاثة أرباع الفلسطينيين في القدس تحت مستوى خط الفقر. وكل ما يعانيه الفلسطينيون في القدس، التي تعتبر مركزا روحيا وسياسية للفلسطينيين والإسرائيليين، يجعلها نقطة اشتعال ساخنة.

ويؤكد عبد الرحمن أنه ليس من الواضح كيف سوف تتطور المواجهات الحالية؛ حيث الشعور بالإحباط في أعلى درجاته، والوضع على الأرض يشبه برميل بارود، وغدا السبت 15 مايو هو يوم إحياء الذكرى السنوية لنكبة الشعب الفلسطيني، حيث يتذكر الفلسطينيون ما حل بهم من مأساة إنسانية وتهجير. ومن الصعب توقع ما يمكن أن يحدث.

زر الذهاب إلى الأعلى