عرب وعالم

الصين.. أرض تجمع بين الحضارة والتاريخ

كثيرون لا يعرفون كثيرًا عن علاقة الصين بالإسلام والمسلمون، إلا السلع الثقافية المتعلقة بشهر رمضان، والتي يتم استيرادها من المدن الصينية، مثل الفوانيس والألعاب المختلفة وسجاجيد الصلاة، التي تضفي البهجة والسرور في النفوس احتفالًا بالشهر الكريم، لكن دون ذلك لا يعرف معظم المسلمون حول العالم إلا الدعاية السلبية التي تطلقها وسائل إعلام أجنبية متهمة بكين “دون أدلة” باضطهاد وقمع المسلمين، خصوصًا أبناء قومية الأويغور بمنطقة شينجيانغ غربي البلاد.

لكن إذا قدر لك أن تزور الصين، ستطلع بنفسك على  الأوضاع  هناك. في منطقة شينجيانغ الأويغورية تفتح المساجد أبوابها يوميًا، خصوصًا في مسجد إيدخان بولاية كاشغر الذي يعود تاريخ إنشاءه لما قبل 550 سنة، الذي يستقبل منذ ذاك التاريخ المصلين، وخلال ليالي رمضان المبارك كانت ساحاته تعج بالمصلين وقت صلاة التراويح، بينما مئات الأشخاص قد انتظموا من مختلف المجموعات الإثنية بعد انقضاء الصلاة بالساحة المقابلة له، يؤدون رقصات تقليدية واحتفالات يقومون بها في ليالي رمضان من مئات السنين في نفس المكان.

ولم يمنع هؤلاء تفشي فيروس كورونا، حيث التزم الجميع بالإجراءات الاحترازية. ومن المعروف منذ قديم الزمان أن شينجيانغ موطن مجموعات إثنية ومعتقدات دينية متنوعة، وجميع الأنشطة الدينية العادية تخضع لحماية القانون. إلا ان مازالت إدعاءات عارية تمامًا عن الصحة تزعم  تقييد الحريات الدينية في المنطقة.

أيام وليالي شهر رمضان في شينجيانغ لها مذاق خاص، مذاق مختلف عن باقي أنحاء البلاد، فهناك يجتهد المسلمون أيضًا في العبادة من صيام وقيام وتلاوة قرآن والإكثار من ذِكر الله والدعاء، لكنهم يحتفلون به بطريقتهم الخاصة. في مدينة كاشغر أيضًا تجد مسجد عيد غا الذي يرجع تاريخ إنشاءه لأكثر من 570 عاما، ويوميًا يحتضن من ألف الى ألفين مصلي، وفي أيام الأعياد والمناسبات الإسلامية يصل عدد المصلين إلى عشرين أو ثلاثين ألفا.

وعلى بعد أكثر من 1500 كيلومتر عن كاشغر، في مدينة أوروموتشي عاصمة المنطقة، تقدم المطاعم الأويغورية داخل سوق أرداوتشياو الأطعمة الشهية على الطريقة الإسلامية لأكثر من 5000 سائح أجنبي يزور السوق يوميًا بخلاف المواطنين المحليين، وفي تلك المطاعم قد تتعجب أنه لا يمكن لكثيرون أن يجدوا مقاعد خالية كي يتناولوا طعامعهم من الوجبات الخفيفة المشهورة عن “الشينجان” أو أهل شينجيانغ.

النشاط نفسه تجده بباقي أرجاء سوق أرداوتشياو، حيث تباع الأوشحة الحريرية المعتاد أن تغطي بها المسلمات رؤوسهن، وعند حلول وقت الصلاة تجد المئات من العاملين بالسوق ورواده في مسجد يانغهانغ القريب لأداء الصلاة. حتى أن الشرطة تكون مشغولة بتيسير حركة المرور حتى الواحد صباحًا كون المسجد يقع بالقرب من الطريق الرئيسي، ويقوم المصلون بتوقيف سياراتهم على جانبيه، إذا لم يجدوا مكانا لتوقيف السيارات بالقرب من المسجد.

ومن المعروف أن كاشغر القديمة مدينة خلابة في مناظرها الطبيعية، كما أن ثقافاتها المتنوعة تضفي مزيدًا من الجمال والبهاء عليها مع العروض الثقافية المتميزة التي يقدمها أبناء القوميات المختلفة، والتي تتنوع بين الغناء والرقص ومختلف الفنون، أحد السياح من بكين ، قال وقت زيارته المدينة أنه يشعر في كاشغر بالراحة والحب لما يتميز به سكانها من عواطف فضفاضة وجمال خلاب.

تلك الطقوس الاحتفالية لا تمنع أهل المدينة في أن يحثون الخطى إلى المسجد، فرادى وجماعات، لتأدية الصلاة اليومية خصوصًا خلال شهر رمضان، حيث يبقى الكثير منهم في المسجد حتى ساعة متأخرة من الليل، حيث يغتنمون شهر رمضان بكثرة العبادة والصلاة والقراءة والذكْر والإحسان. وبالاضافة الى ما تشهده كاشغر من برامج للعبادة هناك برنامج للترفيه ايضا تقام فيه سهرات رمضانية فنية وثقافية تمتد الى الساعة الثالثة فجرا.

في شوارع مدينة أورومتشي العاصمة، تجد أعمال البر والإحسان على أشدها خصوصًا خلال شهر رمضان، حيث عادل ما ينشغل الشباب في إعداد وجبات الإفطار للفقراء وغير القادرين، وبجوار المستشفيات تجد المنطقة وقد تحولت إلى خلية نحل، حيث اعتادت مجموعات من الشباب على إعداد وجبة افطار للمرضى وأسرهم مجانا، وهم يشعرون بالسعادة لأن ما يقومون به يجلب السعادة للآخرين أيضًا. ووفقا لكتاب أبيض صدر عن الحكومة الصينية في يوليو 2020، تبذل شينجيانغ جهودا شاملة لحماية الأنشطة الدينية المشروعة وضمان حرية المعتقد الديني للناس وفقا للقانون، وإتاحة القنوات للمؤمنين لاكتساب المعرفة الدينية، إلى جانب تحسين مرافق وظروف أماكن ممارسة الأنشطة الدينية.

وعادة ما ينخرط المتفقهون في الدين من المسلمين، في دراسة دينهم بمعهد شينجيانغ الإسلامي الذي يعتبر أفضل مدرسة إسلامية في المنطقة، فهناك يتم تدريب الطلبة ويحصلون بعدها على إجازة أن يكونوا أئمة في المساجد. والمعهد يقدم مجموعة متنوعة من المناهج الدراسية، بما فيها قراءة القرآن، والشؤون الدينية، واللغة العربية الأساسية، والماندرين، والتاريخ والثقافة. كما أن هناك طلاب من القوميات الأويغورية والقرغيزية والقازاقية في فصل واحد، وجميع المعلمين والطلاب يتعايشون مع بعضهم البعض بشكل جيد. ويضم المعهد الذي يغطي مساحة أكثر من 10 هكتارات، مكتبة وصالة للألعاب الرياضية وقاعة للصلاة، إضافة إلى دورة مياه وأماكن للوضوء، مزودة بالمياه الساخنة على مدار السنة.

“حرية المعتقد الديني مكفولة بالقانون”.. هذا هو الدرس الأول لطلاب المعهد، الذي يضم سنويًا ما يزيد عن ألف طالب يدرسون بين جنباته أصول الدين، 160 طالب منهم انضموا مباشرة بعدما أنهوا دراستهم الثانوية في مدارس شينجيانغ. ويوميًا يؤدي الطلاب الصلاة ويستمعون إلى خطب الوعظ أيام الجمعة.

عكس ذلك، تجد الدعاية التي يروج لها ما تسمى بـ”منظمة المؤتمر الأويغوري العالمي” تقول إنه لا توجد حريات دينية في الصين، لكن إذا علمنا أن المنظمة ورئيسها دولكون عيسى ممولون بالكامل من اجندات خارجية توفر لها الدعم المالي واللوجيستي الكامل.

وما يؤكد أن منظمة المؤتمر الأويغوري العالمي، لا تستهدف إلا تقويض جهود الصين التنموية، وليس البحث عن حقوق الناس كما تدعي، ما نادت به قبيل انطلاق أولمبياد بكين الشتوية مطلع العام الحالي، بمقاطعة الدول تلك الفعاليات، ما دعا المجلس الإسلامي العالمي لعلماء الدين برئاسة محمد باقر البديري، إلى توضيح أن ما تسوقه المنظمة معلومات مضللة وغير صحيحة حول القضايا العرقية والدينية في الصين، وأعلن المجلس أنه قطع علاقاته مع منظمة المؤتمر الأويغوري العالمي، خصوصًا وأنه كان ضالعًا في تقارير مشوهة نشرتها وسائل إعلام أجنبية بشأن قضية شينجيانغ في الصين.

وفي مقال نشره موقع قناة “CGTN” عربية الصيني، يعتقد خبير مكافحة الإرهاب وانغ جيانغ، زميل ما بعد الدكتوراه في معهد القانون التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، أنه منذ عام 2018، بدأت القوى المناهضة للصين في الخارج جولة جديدة من التشويه بجهود مكافحة الإرهاب الصينية في شينجيانغ وقد أظهر العام اتجاها متزايدا، وأصبحت أنشطة “الضغط” في “المؤتمر الأويغوري العالمي” حول العالم أكثر نشاطا، حيث يستمر في الصراخ من أجل دعاية منصات المتطرفين ويلوحون بالأعلام لها ولا يهتمون بحقوق الإنسان وتطور الأويغور على الإطلاق، إنه فقط ينتهز الفرصة للمضاربة في هذا الموضوع ويعمل كأداة سياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى