مقالات وكتاب

السفیر ناصر کنعانی يكتب: الفریق سُلیمانی «بطل مکافحة الإرهاب الدولی»

یوافق یوم الثالث من ینایر الذکرى الثانیة لعملیة الاغتیال الغادرة التی طالت قائد قوة القدس فی الحرس الثوری الإسلامی الإیرانی الفریق قاسم سُلیمانی ونائب قائد الحشد الشعبی العراقی أبومهدی المهندس وبقیة مرافقیهم الأجلاء، وتعرض هؤلاء الشهداء لهجوم صاروخی انطلق من الطائرات الأمریکیة المُسیرة فجر الثالث من ینایر عام 2020م فور خروجهم من مُحیط مطار بغداد الدولی، وهو الهجوم الذی أعلن الرئیس الأمریکی حینها دونالد ترامب مسئولیته عنه رسمیًا.

مثل هذا الهجوم الإرهابی الأمریکی الذی استهدف الشهید سُلیمانی ومرافقیه النموذج الأوضح لانتهاک القانون الدولی وحقوق الإنسان، ناهیک عن کونه اعتداءًا على سیادة العراق، تبع هذا العمل الإجرامی الذی أقدمت علیه الحکومة الأمریکیة الکثیر من ردود الأفعال والإدانات الواسعة على المستویات الرسمیة وغیر الرسمیة والشعبیة أیضًا، على سبیل المثال فقد أعلنت المقررة الرسمیة الخاصة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فی تقریرها صراحة أن ما أقدمت علیه أمریکا بالهجوم على الفریق سلیمانی ومرافقیه هو عمل غیر قانونی.

کان الفریق سُلیمانی “بطل مکافحة الإرهاب” وجزء کبیر من سیرته الذاتیة المشرقة على مستوى المنطقة متمرکزة على الحرب ضد الإرهاب الدولی، ولقد مثل الهجوم الإرهابی على شخص مثله یقف فی الخطوط الأمامیة لمکافحة الإرهاب الدولی مصداقًا بارزًا وعملیًا لاستخدام “المعاییر المزدوجة” وحاکیًا عن کذب مدعی مکافحة الإرهاب.

إن الخصائص والممیزات البارزة للفریق سلیمانی سواء من الناحیة الفردیة والإنسانیة وقدراته من الناحیة القیادیة والقیادة العسکریة ونبوغه العجیب فی المجالات الإستراتیجیة والتفرد بأدوار خاصة فی صنع عملیة السلام فی المنطقة جعلت منه شخصًا وشخصیة من طراز خاص وجعلته من أبرز وأشهر القادة العسکریین حول العالم، ولکن على الرغم من خصائصه وممیزاته الشخصیة البارزة والممتازة، یُمکننا اعتبار مواقفه فی الدفاع المستمر والمؤثر عن المظلومین ضد الظلم وثباته ووقوفه ضد نظام الهیمنة العالمی‌بقیادة أمریکا ومعاداته للکیان الصهیونی هی الخاصیة الأکبر للقائد سُلیمانی.

کان سُلیمانی مُلتزمًا بشکل عملی بالتعالیم والقیم والمبادئ الإسلامیة ویرى أن مهمته هی الدفاع عن المظلومین ضد الظالم ودعم التیارات المُقاومة ضد الهیمنة الأمریکیة والکیان الصهیونی المُحتل، وفی سبیل ذلک لم یکن یُمیز بین جنسیة ولا نوع ولا قومیة ولا دین ولا مذهب، فقد کان اهتمامه کله مُنصبًا على حفظ الکرامة الإنسانیة بعیدًا عن التصنیفات العرقیة والدینیة، وکان تنفیذه العملی للحقوق الدولیة وحقوق الإنسان مثالًا یُحتذى به وهناک الکثیر من التصریحات والشواهد المکتوبة والوثائقیة الدالة على ذلک، وحینما ننظر إلى دور الفریق سُلیمانی فی حمایة الأقلیات الدینیة والعرقیة فی دول العراق وسوریة (من ضمنهم الإیزدیین والمسیحیین) ضد جرائم المجموعات التکفیریة نجده من أبرز الأمثلة الأخلاقیة فی سیرته العملیة لدعم المظلومین ضد الظالمین. کان سُلیمانی بطلًا مُکافحًا ومُقاومًا ضد داعش والمجموعات التکفیریة بشهادة الصدیق والعدو، ودوره هو الأکثر محوریة فی الدفاع عن شعبی العراق وسوریة ضد التیار الداعشی المشئوم، بل ومانعًا لسقوط کلا البلدین المذکورین على ید داعش والإرهابیین التکفیریین.

لعب سُلیمانی دورًا محوریًا فی ثلاث مجالات داخل العراق وسوریة:

–  منع سقوط الحکومات الشرعیة فی العراق وسوریة ومنع تقسیم هذین البلدین وهو الأمر الذی لو کان قد حدث لتبعته مخاطر وتأثیرات کبیرة بإمکانها أن تُلقی بظلالها على منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

–  النضال والکفاح المُباشر میدانیًا وعملیاتیًا ضد داعش والإرهابیین الدولیین.

–  حمایة الناس من هجوم الإرهابیین وإیصال المساعدات الإنسانیة للنازحین والمُحاصرین.

لقد کان سُلیمانی هو أول قائد عسکری على مستوى العالم ممثلًا عن إیران یدخل إلى عمق المیادین المحفوفة بالمخاطر بناءًا على طلب من حکومتی سوریة والعراق، واستطاع بنبوغه العسکری الخاص وحشد جمیع القوات الرسمیة وغیر الرسمیة المتطوعة أن یدحض الإرهابیین التکفیریین المدعومین من أمریکا والصهاینة بشجاعته التی لا نظیر لها، وفی النهایة وبالتزامن مع تحریر مدینة الموصل العراقیة، أعلن القضاء على الخلافة الداعشیة المزعومة المشئومة.

کان سُلیمانی حلقة الوصل الرامیة لإیجاد الوحدة فی العمل والانسجام المیدانی بین المدافعین الذین نزلوا إلى میدان الحرب للدفاع عن وحدة الأراضی العراقیة والسوریة ومنع تشکل خلافة داعش المزعومة وأیضًا من أجل الدفاع عن الشعوب المظلومة فی المنطقة، وبدون أدنى شک قدم أکبر خدمة لشعوب وحکومات المنطقة وحتى الحکومات والشعوب الأخرى خارج المنطقة من ضمنها أوروبا، کما مثل حائط السد المنیع ضد تثبیت الخلافة الداعشیة الشیطانیة وتوسع حلقة نفوذها وعملیاتها إلى أقاصی نقاط العالم.

ویُمکننا اختصار وصف سُلیمانی فی جملة قصیرة وعمیقة وهو أنه کان “الوجه الدولی للمقاومة” کما وصفه القائد السیاسی والدینی الأعلى فی الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة.

الفریق قاسم سلیمانی قبل أن یکون “رجل الحرب” کان “رجل السلام”، فلم یکن مجرد شخص واحد بل رمزًا لعقیدة وفکرًا وکان یعتقد أن السبیل الوحید لمنع الهیمنة الأمریکیة والصهیونیة على مصائر حکومات وشعوب المنطقة هو اتحاد هذه الحکومات والشعوب، لذا کان یرى أهمیة إستراتیجیة لاقتدار وقوة شعوب المنطقة.

من وجهة نظر الحکومة الأمریکیة کان هناک الکثیر من العوائق الجادة والقویة أمام إتمام صفقة القرن والاستمرار فی عملیة التطبیع بسبب وجود سُلیمانی، لذا فقد أقدمت الحکومة الأمریکیة على اغتیال شخصیة لیست فقط الأبرز عالمیًا على مستوى مکافحة الإرهاب الدولی، بل العقل المُفکر والمدبر لمواجهة استیلاء الکیان الصهیونی على الدول الإسلامیة والعربیة، لم یکن هدف الحکومة الأمریکیة من اغتیال سُلیمانی القضاء على شخص، بل القضاء على رمز وتجلی للفکر والعقیدة المُضادة لأمریکا والصهاینة، ومثلت هذه الجریمة خطأ إستراتیجیة یُضاف إلى عشرات الأخطاء الإستراتیجیة الأخرى التی نفذتها أمریکا على مستوى المنطقة والعالم، لأنه باغتیال سُلیمانی لن تفقد عقیدته وتیاره حالة الدیمومة والثبات اللتین أصبحتها ملازمتین لها، بل تطور الأمر حالیًا نحو إیجاد أبعاد أکبر وأوسع على مستوى العالم.

بمرور الوقت أظهرت اعترافات بعض المسئولین الأمریکیین أن أمریکا هی من أوجدت الکثیر من المجموعات الإرهابیة والتکفیریة من ضمنها داعش من أجل تغییر المعادلات الإستراتیجیة فی المنطقة وخلق أجواء یتنفس فیها الکیان الصهیونی بحریة وإشعال الحروب المذهبیة الدمویة فی العالم الإسلامی، ومثل هذه الإقدامات التی تُمثل عارًا على أمریکا تجعلها هی ومسئولیها أمام مسئولیة دولیة یجب علیهم أن یتحملوا إثرها جمیع الکوارث والأضرار التی لحقت بالمنطقة جراء ما خلقوه وما فعلوه، وهنا کان الاغتیال الإجرامی لقادة ولواءات مکافحة داعش والإرهاب فی المنطقة انتقامَ الإرهابیین من هؤلاء القادة، وقد نفذ هذه العملیة الإجرامیة الرئیس الأمریکی حینها المجرم ترامب.

على الرغم من عبور العراق وسوریة من الفترات الصعبة للأزمة وبعد انهزام حلم الخلافة الداعشیة، للأسف الشدید لا زالت الأفکار التکفیریة الإرهابیة المُعادیة للإنسانیة مستمرة ولا زال الدعم الظاهر والخفی لها مستمر أیضًا، ومن الضروری أن ینتبه ویتیقظ المجتمع الدولی ویقف ضد الانتشار الفکری واستعادة هذه التیارات لقدرتها مرة أخرى، فلطالما مثلت الأفکار التکفیریة والإرهابیة تهدیدًا صریحًا على السلام والاستقرار والأمن الدولی، کما أن مقاومة ومکافحة هذه الأفکار هی وظیفة جمیع أعضاء المجتمع الدولی، ولا یخفى على أحد أن الحضور والدور الأمریکی فی منطقة غرب آسیا کان حضورًا مُخربًا وطالما لم تخرج هذه الدولة قواتها العسکریة الإرهابیة من هذه المنطقة، لن یتحقق الأمن والاستقرار فیها.

الآن وقد مضى العام الثانی على اغتیال الفریق سُلیمانی وقادة المقاومة الإسلامیة، بالتأکید یجب ألا تمر هذه الجریمة دون رد ویجب أن یُقدم مصدرو قرار الاغتیال ومنفذوه إلى العدالة لیُحاکموا ویتحملوا مسئولیة ما جنته أیدیهم. لقد أظهرت ردود الأفعال الشعبیة الواسعة على مستوى العالم وأیضًا ردود الأفعال الإعلامیة ومواقف الکثیر من الشخصیات السیاسیة والحقوقیة الدولیة المعروفة بإدانة العمل الإجرامی الذی أقدمت علیه أمریکا باغتیال الفریق سُلیمانی ومرافقیه أن أمریکا أصبحت مُدانة أمام الضمائر العالمیة الیقظة أکثر من أی وقت مضى، ومع ذلک فإن الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة سوف تستخدم وتوظف وتحشد کل قدراتها السیاسیة والحقوقیة والدولیة بشکل رسمی من أجل الملاحقة القانونیة والقضائیة لمصدری أمر تنفیذ هذه الجریمة المروعة ومنفذیها، ولن تنس أبدًا حق الشعب الإیرانی العظیم فی انتقام لائق من هؤلاء المجرمین الدولیین.

السفیر ناصر کنعانی – رئیس مکتب رعایة مصالح الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة – القاهرة – مصر

زر الذهاب إلى الأعلى