مقالات وكتاب

أحمد عبده طرابيك يكتب: في الميدان بعد وقف القتال

شهد إقليم قره باغ العام الماضي وبعد طول ترقب معارك حاسمة، استطاعت خلالها أذربيجان، وعلي مدار أربع وأربعين يوماً تحرير الأراضي الأذربيجانية في الأقاليم السبعة المحتلة من الإقليم، أربعة منها خلال الحرب هي “جبرائيل، فضولي، قوبادلي، زانجيلان”، وكان آخرها مدينة شوشا، التي شكلت علامة فارقة في حسم المعركة، وثلاثة بدون قتال وفق اتفاق وقف اطلاق النار الذي تم برعاية روسية “أغدام، كالباجار، لاتشين”.

بعد صمت أصوات المدافع وفق الاتفاق الذي تم بوساطة روسية في العاشر من نوفمبر 2020، أتيحت لي فرصة زيارة الأماكن التي تم تحريرها من قبل القوات الأذربيجانية، حيث عكست الصورة علي أرض الواقع مدي الدمار الكبير الذي تعرضت له تلك الأراضي سواء من خلال التدمير الممنهج للمعالم، وخاصة التراثية خلال فترة الإحتلال الأرميني لها علي مدار ثلاثين عامًا، أو خلال المعارك، ويمكن تصنيف أشكال الدمار إلي قسمين:

القسم الأول: هو الدمار الذي تم خلال المعارك وما بعدها، خاصة في الأقاليم الثلاثة التي تم تحريرها بعد وانتهاء المعارك وفق ما نص عليه اتفاق وقف اطلاق النار، والذي نص علي انسحاب أرمينيا من الأقاليم الثلاث “أغدام، كالباجار، لاتشين”، وفق جدول زمني تضمن انسحاب أرمينيا من إقليم كالباجار في موعد أقصاه 15 نوفمبر، والإنسحاب من إقليم لاتشين بحلول الأول من ديسمبر 2020، والإنسحاب من أغدام والجزء المحتل من منطقة جازاخ بحلول 20 نوفمبر.

هذا الجدول الزمني لإنسحاب القوات الأرمينية من الأقاليم الثلاث، منح أرمينيا مزيداً من الوقت لزرع تلك المناطق بالآلاف الألغام، بلغ عددها 92 ألف لغم مضادة للدبابات والأفراد، هذا إلي جانب اتباع أرمينيا سياسة الأرض المحروقة، حيث أحرقت لدي انسحابها من تلك المناطق كل شئ علي الأرض، المباني والمنشآت والمعالم والمزارع، حتي أصبح شكل الأرض لا يري فيها إلا اللون الأسود علي امتداد البصر أينما نظرت، بالإضافة إلي تسوية كل شئ بالأرض، حتي لم يبق إلا شواهد البيوت والمنشآت بعد أن تم هدمها بالكامل.

القسم الثاني، هو شكل الدمار الذي لحق بالمعالم التاريخية والدينية والثقافية، ويتم رؤية ذلك في المناطق والمدن التي تم تحريرها من قبل القوات الأذربيجانية خلال المعارك، حيث لم تكن لدي الأرمن فرصة لإشعال النيران وهدم المنازل والمنشآت، خاصة أنها لم تكن تتوقع أن تقوم أذربيجان بشن حرب شاملة، ولذلك فقد ترك الأرمن خلفهم هذه المدن خلال وقت الحرب القصير، حيث كان التدمير الذي طال بتلك المناطق قد تم وفق سياسة أرمينيا التي عمدت خلالها إلي تغيير المعالم التاريخية، بهدف طمس حقائق التاريخ التي تثبت ملكية أذربيجان لتلك الأراضي، فقد تم مشاهدة المساجد المدنسة والمدمرة، والتي تفوح منها رائحة مخلفات الحيوانات، والتي لم تبقي عليها أرمينيا إلا لإستخدام مناراتها من قبل القناصة التي كانت تعتلي قممها بهدف مراقبة المناطق من حولها، والمتاحف التي تم تشويه جدرانها والرسوم المنحوتة عليها بعد أن فرغت من محتوياتها.

لقد تابعت كثيراً مما قامت به أرمينيا من عمليات التدمير الممنهج للمعالم التاريخية والدينية والثقافية في الأراضي التي تحتلها علي مدار سنوات بهدف تشويه المعالم بغية تغيير الحقائق التاريخية، كما تابعت عمليات حرق المساكن والمنشآت والمزارع خلال عمليات الإنسحاب من المناطق التي تم الاتفاق عليها في اتفاق وقف إطلاق النار، ولكن ما رأيته يفوق كل ما كتب، وبالفعل أيقنت أن “ليس من رأي كمن سمع أو قرأ”، لا يمكن وصف أن تري مدينة بأكملها مثل مدينة أغدام عبارة عن ركام وحطام أحجار، فعلي الرغم من أن الأرمن قد استولوا علي تلك المساكن والمنشآت خلال احتلالهم للمدنية وغيرها من المدن، ولم يشيدوا بيتاً واحداً فيها، إلا أنهم جعلوا المدينة بكاملها مجرد أحجار متناثرة، فلو أن زلزالاً مدمراً أتي عليها لترك عليها بعضاً من بيوتها ومشآتها، إنها صورة لا تجد من الكلمات ما يعبر عنها.

صور الدبابات الأرمينية المحترقة علي جوانب الطرق، والتي مازالت قابعة في أماكنها حيث لم يتم ازالتها من أماكن احتراقها من قبل السلطات الأذربيجانية خشية حقول الألغام التي تحيط بها تعكس مدي شراسة المعارك التي دارت علي الأرض، كما تعكس أيضاً حجم الخسائر الأرمينية في الأرواح والمعدات، حيث لعبت الطائرات المسيرة بدون طيار من طراز بيرقدار التركية الصنع دوراً هاماً في حسم المعركة، خاصة مع الطبيعة الجبلية شديدة الوعورة التي كانت تعول عليها أرمينيا في عدم قدرة القوات الأذربيجانية في شن حربة برية شاملة علي الأراضي المحتلة.

المشاهد الأكثر قسوة في أراضي قره باغ المحررة، هي مشاهد القبور المدنسة في جبرائيل وفضولي، حيث قامت القوات الأرمينية بتدمير المقابر الأذربيجانية، فإذا كانت أرمينيا قد قامت بتدمير ممتلكات الأحياء من تراث وأماكن عبادة ومقدسات، فلما العبث بالأموات الذي رحلوا عن حياتنا منذ سنوات طويلة. دفن الأذربيجانيين موتاهم في تلك المناطق عندما كانوا يعيشون فيها قبل أن تجبرهم القوات الأرمينية علي الرحيل منها عنوة خلال حرب قره الأولي في أوائل تسعينيات القرن الماضي. لقد ترك الأذربيجانيون مقابر موتاهم وديعة عند ربهم قبل أن يفروا مجبرين تحت قصف النيران الأرمينية لهم، ولم يكن يتوقع أحد منهم أن تطال تلك القبور أيدي العابثين من الأرمن.

تظل المشاهد علي الأرض تعكس الكثير مما تخط به الأقلام، فكثيراً من مشاهد الدمار والتخريب، مشاهد التنكيل بالأحياء والأموات، ومشاهد تغيير حقائق التاريخ من خلال طمس ما هو أذربيجاني بغية اقناع الأجيال الجديدة بعكس ما يقوله التاريخ، ذلك التاريخ الذي لا يمكن لأحد أن يعيد كتابته وفق أهوائه، فالتاريخ هو الشاهد الحقيقي علي الأحداث مهما حاول البعض تغييرها.

زر الذهاب إلى الأعلى